الخميس، 15 ديسمبر 2011

عن الانقسامات الطائفية والمذهبية - بقلم : صبحي غندور

إلى أين يسير الشارع العربي بانتقاله الموسمي من حال السبات إلى حال الانفعال العشوائي؟ من «تكيّفٍ» مع وضعٍ مأسوي في داخل عدّة بلدان عربية، ممزوجٍ أحياناً بتسلّطٍ خارجي، إلى انفعالات غرائزية نراها تحدث بأشكال طائفية يواجه فيها بعض الوطن بعضه الآخر وكأنَّ هذه البلاد العربيّة قد فقدت البوصلة التي توجّه حركة قياداتها، فإذا هي بمركب في بحر هائج تدفع به الرياح والأمواج بينما ينشغل طاقم السفينة بأموره الخاصّة أو يركن إلى عجزه عن القيادة السليمة!
صحيح أنَّ لإسرائيل عملاء يتحرّكون ويعملون في أكثر من مكان بالعالم، وأنَّ بعضهم انكشف واعتقل حتّى في أكثر الدول صداقة ورعاية لإسرائيل كالولايات المتّحدة، كما هي حال الأميركي جوناسون بولارد، المعتقل بتهمة التجسّس لإسرائيل في أميركا منذ العام 1986... وصحيح أنَّ اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين والعراقيين والمصريين يعرفون أكثر من غيرهم من العرب حجم التّسلل الإسرائيلي في بلدانهم على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن، منذ ظاهرة كوهين في دمشق إلى انفضاح العشرات من العملاء في لبنان... وصحيح أنَّ السلطات المصرية كشفت مرات عدّة عن شبكات تجسّس إسرائيلية وما زال بعض عناصر هذه الشبكات معتقلاً، رغم وجود علاقات طبيعيّة بين إسرائيل ومصر... صحيحٌ كل ذلك وغيره من الأمثلة، لكن هل يعقل أن تكون إسرائيل وحدها في كلّ مكان وفي كلّ قضية ساخنة تعيشها حالياً المنطقة العربيّة وجوارها الإقليمي؟! أطرح هذا التساؤل لأنَّ كلاً من التطورات الحاصلة في المنطقة، يحمل طابع المصالح والمنافع الإسرائيلية فقط، بينما «الآخرون» - وهم هنا العرب والمسلمون والأوروبيون والأميركيون- يتضرّرون ممّا في هذه التطورات من مخاطر أمنيّة وسياسية على مجتمعاتهم وأوطانهم وعلى مصالحهم المشتركة. فالانقسامات الطائفية والمذهبية تزداد في المنطقة، وأصوات العداء بين «الشرق الإسلامي» وبين «الغرب المسيحي» ترتفع حدّةً بينما إسرائيل التي هي «جغرافياً» في الشرق، و«سياسياً» في الغرب، وتنتمي إلى حالةٍ دينية «لا شرقية إسلامية ولا غربية مسيحية»، هي المستفيد الأكبر من صراعات الشرق مع نفسه، ومن صراعاته مع الغرب!
وهل هناك أصلاً منفعة أميركيّة حقيقية من فلتان الأوضاع الأمنيّة في بلدان عربية؟!، وهل تقدر الإدارة الأميركيّة على ضبط نتائج هذا الفلتان إذا ما حدث؟ ألا يكفي العراق وأفغانستان نموذجاً لنتائج السياسات الأميركيّة الفاشلة؟!. فالمصلحة الأميركيّة الحقيقيّة لا يمكن أن تكون في توسيع دائرة الغاضبين على أميركا، ولا يمكن أن تكون في زيادة الهوّة بين العرب والمسلمين من جهة وبين الأميركيين والغرب عموماً من جهة أخرى... فهذه مصالح فئويّة لقوى حاكمة لكنّها حتماً ليست مصالح الدول والشعوب.
هناك الآن الكثير من «المعارك» الإسرائيليّة الّتي تجري تحت «راية أميركيّة»، لكن المصالح الأميركيّة هي جزء من ضحاياها! وكم هي مفارقة محزنة أميركياً أن يُنظَر لإسرائيل في القرن الماضي وخلال فترة الحرب الباردة، على أنَّها «رأس الحربة الأميركيّة» في الشرق الأوسط، بينما يُنظَر إلى أميركا الآن، وهي القطب الدولي الأوحد، على أنَّها تنفّذ سياسة إسرائيل في المنطقة!
أمّا على الطرف العربي والإسلامي، فـ«الإسرائيليّات» موجودة أيضاً بكثافة. وهناك عرب ومسلمون يقومون أيضاً بخوض «معارك إسرائيليّة» تحت «رايات وطنيّة أو عربيّة أو إسلاميّة». وهم عمليّاً يحقّقون ما كان يندرج في خانة «المشاريع الإسرائيليّة» للمنطقة من سعي لتقسيم طائفي ومذهبي واثني يهدم وحدة الكيانات الوطنيّة ويقيم حواجز دم بين أبناء الأمّة الواحدة لصالح فئات تستفيد من فتات الأوطان فتقيم ممالكها الفئويّة الخاصّة ولو على بحر من الدّماء. أليس هو مشروعٌ إسرائيلي تفتيت المنطقة العربيّة إلى دويلات متناحرة؟ أمَا هي مصلحة إسرائيليّة كاملة نتاج ما جرى في العراق من تفكيك لوحدته الوطنية؟ أليست هي أيضاً رؤية إسرائيليّة لمستقبل لبنان وسورية والأردن ومصر والسودان واليمن وشبه الجزيرة العربيّة؟!
أليس هو بمنظر خلاّب ممتع للحاكمين في إسرائيل وهم يرقبون ما يجري في لبنان من أحاديث عن الفتنة ومن محاولة النيل من المقاومة اللبنانيّة الّتي أذلّت جيش الاحتلال الإسرائيلي؟! إنَّه «زمن إسرائيلي» ينتشر فيه وباء «الإسرائيليّات» وتقلّ فيه المضادات الحيويّة الفكريّة والسياسيّة، وتنتقل فيه العدوى سريعاً، ويُصاب به «بعض الأطبّاء» أحياناً فتجتمع العلّة في الطبيب والمريض معاً!! هذا «الوباء الإسرائيلي» لا يعرف حدوداً، كما هي دولة إسرائيل بلا حدود، وكما هم العاملون من أجلها في العالم كلّه. لكن المشكلة لم تكن ولن تكون في وجود «الوباء»، بل هي بانعدام الحصانة والمناعة، وفي انعدام الرّعاية الصحيّة الفكريّة والسياسية داخل الأوطان العربيّة وبلدان العالم الإسلامي، وفي الجهل المقيت بكيفيّة الوقاية والعلاج بل حتّى في رصد أعراض مرض الانقسامات الطائفية وسهولة انتشاره!
فمن المهم أن يدرك أتباع أي طائفة أو مذهب أين تقف حدود الانتماء إلى طائفة، فلا نردّ على الحرمان من امتيازاتٍ سياسية واجتماعية، أو من أجل التمسّك بها، بتحرّكٍ يحرمنا من الوطن كلّه بل ربّما من الوجود على أرضه. وعلى الجميع أيضاً، تقع مسؤولية فهم ما يحصل بأسبابه وأبعاده السياسية، وليس عن طريق المعالجة الطائفية والمذهبية لتفسير كل حدثٍ أو قضية أو صراع.
إن المعرفة السليمة لكل من جوهر الرسالات السماوية و«الهويّة العربية»، والعرض السليم لهما من قبل المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، سيساهم من دون شك في معالجة الانقسامات الطائفية والاثنية في المنطقة العربية. كذلك، فإنّ البناء الدستوري السليم الذي يحقّق العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد، هو السياج الأنجع لوحدة أي مجتمع. فالعطب أساساً هو في الأوضاع الدّاخليّة الّتي تسمح بحدوث التدخّل الخارجي، الإقليمي والدولي. إنّ البلاد العربيّة لا تختلف عن المجتمعات المعاصرة من حيث تركيبتها القائمة على التّعدّديّة في العقائد الدّينيّة والأصول الإثنيّة، وعلى وجود صراعات سياسيّة محليّة. لكن ما يميّز الحالة العربيّة هو حجم التّصدّع الداخلي في أمّة تختلف عن غيرها من الأمم بأنّها أرض الرّسالات السماويّة، وأرض الثروات الطّبيعيّة، وأرض الموقع الجغرافي المهم. وهذه الميزات الثلاث كافية لتجعل القوى الأجنبيّة تطمح دائماً للاستيلاء على هذه الأرض أو التحكّم بها والسّيطرة على مقدّراتها.
إنّ إلقاء المسؤوليّة فقط على «الآخر» الأجنبي أو الإسرائيلي فيما حدث ويحدث في بلاد العرب من فتن وصراعات طائفيّة وأثنية هو تسليم بأنّ العرب جثّة هامدة يسهل تمزيقها إرباً دون أي حراك أو مقاومة. فإعفاء النّفس العربيّة من المسؤوليّة هو مغالطة كبيرة تساهم في خدمة الطّامعين بهذه الأمّة والعاملين على شرذمتها، كما أنّ عدم الاعتراف بالمسؤوليّة العربيّة المباشرة فيه تثبيت لعناصر الخلل والضّعف وللمفاهيم الّتي تغذّي الصّراعات والانقسامات، جيلاً بعد جيل.

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

التفرقة بين المسلمين: الأسباب والعوامل

تُبذل حاليّاً مساعٍ وجهود مضاعفة، ومن أكثر من جهة، عالميّة ودوليّة، وحتى إقليميّة، من أجل أن لا يتّحد المسلمون، وأن لا يتفقوا، وأن يعمل بعضهم ضدّ بعضهم، وتكريس حالة العداء والبغضاء فيما بينهم.
 وتتصاعد هذه المساعي والجهود خصوصاً كلّما اشتدّت الظروف والأحوال، وكلّما كانت أوضاع المنطقة أكثر دقّةً وحساسيّةً وتعقيداً، وعلى وجه التحديد: كلّما كان المسلمون في حاجةٍ إلى لوحدة أكثر من أيّ وقتٍ آخر.

واعتماداً على تصوّرٍ غير بعيدٍ عمّا يجري حولنا في الواقع الراهن، فإنّنا نرى أنّ أعداء هذه الأمّة ليس لهم دافع وراء هذه المساعي والجهود (اللّامباركة) سوى الحؤول دون تحقّق ذلك الطموح الإسلاميّ المتجذّر في وجدان المسلمين بشكلٍ عامّ، أعني به: الطموح بالوصول إلى تحقيق سيادة الإسلام وحكومته.. وهو طموح بات اليوم يقترب أكثر فأكثر من أطواره العمليّة؛ ومن الطبيعيّ أنه إذا أُريد للإسلام أن يسود، وإذا أراد المسلمون في العالم الإسلامي أن يعتصموا بالإسلام، فإنّ هذا سوف لن يكون متاحاً لهم مع وجود كلّ هذه الخلافات والنزاعات.

وفي الحقيقة، فإنّ إشعال نيران الحروب والنزاعات الدامية بين المسلمين في داخل المجتمعات الإسلاميّة، سواء في البلد الواحد أو بين البلدان الإسلاميّة المتعدّدة، هي العقبة الأصعب في طريق سيادة الإسلام وإقامة حدود الله على أرضه.

وفي هذه المقالة نسلّط الضوء على بعض الأسباب والعوامل التي من شأنها أن تُنجح مساعي التفرقة والتشتيت التي يبذلها الأعداء، لغرض معرفتها أوّلاً ومواجهتها ثانياً:

1) الشرك: الأفكار المشركة توزّع البشر وتفرّقهم، والمجتمع القائم علی أساس الشرك يفرّق البشر إلى طبقاتٍ، ويجعل هذه الطبقات أجنبيّة علی بعضها. وفي مثل هذا المجتمع، عندما تُطرح علاقة الإنسان بمبدأ الوجود وبالقوّة القاهرة والمتسلّطة علی العالم، فمن الطبيعيّ أن يتفرّق البشر، ويبتعد بعضهم عن بعضهم، فينحاز أحدهم إلی إله، ويركن الآخر إلی إله آخر، ويؤمن الثالث بإله ثالث، وهذا بخلاف ما لو كان المجتمع توحيديّاً، سواء كان إسلاميّاً أم غير إسلاميّ، فإنّ المجتمعات التوحيديّة توجّه قلوب أبنائها نحو نورٍ واحد، وإله واحد، يفيء الجميع إليه، ويستمدّ الجميع منه، ويلتقي الجميع عنده. بخلاف المجتمع الذي يكون مبنيّاً علی أساس الشرك، فإنّه يبني بين أبناء البشر والجماعات الإنسانيّة جدراناً مستعصية، ويحفر بينهم حفراً وهاويات لا يمكن ردمها.

2) الشيطان: أينما كان هناك اختلاف بين المؤمنين وبين عباد الله الصالحين، فلا شكّ في أنّ الشيطان عدوّ الله حاضر هناك. فحيثما وجدنا اختلافاً فلنفتّش قليلاً، وسنجد من دون كثير عناء أنّ الشيطان هناك، أو الشيطان الذي في داخل نفوسنا، المسمی بـ النفس الأمارة بالسوء، وهو أخطر الشياطين. إذاً من وراء كلّ الاختلافات تقف: إمّا أنانيّاتنا وحبّنا للجاه والنفس، أو الشياطين الخارجيّة، ومنها: أيادي الأعداء والاستكبار والقوی الظالمة الجائرة.

3) الجهل وسوء الفهم: لو علم المسلمون على وجه الدقّة أنّ الوحدة هي جوهر هذا الدين، وهي من صميم تعاليمه وأحكامه، لما وجدنا الأمّة الإسلاميّة تعاني من التفرقة ومن مظاهر الشقاق والنزاع. فعلى الأمّة الإسلاميّة اليوم، بنخبها السياسيّة والثقافيّة والدينيّة، وبأبنائها كافّةً، أن تكون متيقّظةً أكثر من السابق، وأن تتعرّف علی حيل الأعداء ومخطّطاتهم وتواجهها، ومن أقوى هذه الحيل وأخبثها: هي إذكاء نيران الخلافات، التي لو اقترنت بغفلة من جانب المسلمين، أو لو أنّها اختلطت بالعصبيّة وسوء الفهم وانقطاع التواصل والحوار، لاستطاعت أن تخلق من المسلمين أعداءاً يجابه بعضهم بعضاً.

إنّ التعصّب الأعمى لا يولّد إلّا المزيد من الجهل والعمى، كما نجده لدى بعض المذاهب التي تدّعي الإسلام اليوم، من الحقد وضيق الأفق، حتى أنّهم يعتبرون العالم الإسلاميّ كلّه كافراً، ما عداهم هم طبعاً، فنراهم يوزّعون تهم التكفير يميناً وشمالاً، وعلى مسائل صغيرةٍ تافهة، أو مسائل خالفوها اتّباعاً لأهوائهم وهي مرغوبة شرعاً وممدوحة عقلاً، ولكنّنا نسأل: هل يكون كافراً من يعشق النبي الأكرم(ص)؟! وهل من يفرح في يوم مولده(ص) ويوزّع الحلوى ويظهر السرور يكون كافراً؟! وهل من يتقرّب إلى الله بحبّ أوليائه يكون كافراً؟!!

4) الزعماء وأصحاب السلطة: إنّ الخلافات والتناقضات والمماحكات والصدامات والإساءات كانت موجودة بين الفرق والطوائف الإسلاميّة منذ قرون وإلی اليوم، وهي منذ ذلك الحين، وإلى الآن، في ضرر المسلمين وحدهم. وإذا تتبّعنا جيّداً، فسنجد أنّ غالبيّة هذه التناقضات والصراعات في التاريخ الإسلاميّ ترجع إلی أجهزة السلطة ورؤوس الأنظمة الحاكمة، وأنّ خيوطها كانت كلّها تقريباً بيد السلطات في جميع البلاد الإسلاميّة. فالجهل والعصبيّة وحدهما (مع عظيم أثرهما) ما كان لهما أن يوجدا تلك الأحداث الدامية الكبيرة في التاريخ، لولا أجهزة الحكم وأصحاب السلطة ممّن كانوا يستفيدون في الجانب الشخصيّ والمادّيّ من تسعير نيران هذه الخلافات. ثمّ حينما دخل الاستعمار إلی البلدان الإسلاميّة، بات واضحاً أنه أيضاً يتابع نفس الهدف، ويمشي على نفس الطريقة والمنوال.

--------
حسن يحيى

الخميس، 24 نوفمبر 2011

الأمّة المهزومة نفسيّاً.. على طريق استعادة الثقة بالنفس

منذ أن وُلدت الأمّة الإسلاميّة حتى انبثقت معها منظومة ثقافيّة وفكريّة حملت في طيّاتها عقيدتها وأخلاقها وآمالها ومسار حركتها الفكريّة والاجتماعيّة.. علماً بأنّ الثقافة مصطلح حديث يُراد به كلّ ما يميز الأمة في فكرها ومشاعرها وتعاملها مع الكون والحياة، فهي ما يحكي حقيقةً عن هويّة الأمة ومظهر أصالتها، وهي المعبّرة عن وجودها وحياتها.
 وعلى مرّ العصور تعمّقت هذه الثقافة وتجذّرت في المجتمع الإسلاميّ شيئاً فشيئاً، واتّسعت دائرتها بعد أن أخذت جهود المسلمين في مجال الفكر والتجارب والدراسات العلميّة تغذّيها وتزيدها عمقاً، يُضاف إلى ذلك: تلك المرونة المتميّزة والاستثنائيّة، التي يمكن اعتبارها من أبرز خواصّ وملامح الثقافة الإسلاميّة، حيث إنّها مرونة في عين أنّها لا تخدش مبدأ الأصالة والعراقة ولا تتنكّر لمكوّناتها الثقافيّة والحضاريّة الأصيلة، في عين ذلك، لا يعيقها شيء عن الانفتاح الفاعل على الثقافات الأخرى، ونريد من الانفتاح الفاعل: الانفتاح الإيجابيّ، الذي لا يقتصر دوره على الانفعال وردّة الفعل، بل يعمل على وفق انتقائيّةٍ مدروسة بشكلٍ منهجيّ وموضوعيّ ومنطقيّ، انتقائيّة عقلانيّة أقرّتها القاعدة القرآنيّة في قوله تعالى: [الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب]..

ومن الواضح أنّ أهمّ العوامل التي لعبت دوراً حاسماً في صيانة الثقافة الإسلاميّة على مرّ التاريخ يتمثل في اعتزاز المسلمين وأبناء هذه الأمّة بهويّتهم، وإحساسهم بمكانتهم وبمسؤوليّتهم على الساحة العالميّة، فهم ـ من وجهة نظرهم التي يستندون فيها إلى تجارب عصر صدر الإسلام، وإلى وعيهم لما يمكن للشريعة الإسلاميّة أن تتركه من آثار ـ قادة مسيرة البشريّة على طريق كلّ كمال إنسانيٍّ وعلميّ، وهم فوق ذلك: هداة، ودعاة، وهم الأمّة الشاهدة على بقيّة الأمم، وهم أمّة الوسطيّة والاعتدال في حركة التاريخ... من دون أن يستلزم ذلك الانغلاق على ما عند الآخرين من العلم والمعرفة والفكر والحضارة، ولو كان في أقاصي الأرض، ومهما كانت المسافات التي تفصل فيما بينهم، كما في الحديث الشهير عن رسول الله(ص): اطلبوا العلم ولو في الصين..

غير أنّ ظروفاً وتعقيدات كثيرة تاريخيّةً وثقافيّةً وغيرها أدّت إلى أن يعيش المسلمون في القرون الأخيرة عصوراً مكفهرّة مظلمة تسودها الهزائم والخيبات المتتالية، وعلى المستويات كافّةً: العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة..

ولكنّ الأفظع من ذلك كلّه: هو انهزامهم النفسيّ أمام التيّارات والاتّجاهات الفكريّة الأُخرى، فقد أدّى تقلّبهم من هزيمة إلى هزيمة إلى أن يفقدوا إحساسهم بالعزّة والانتماء، وإلى أن تُفارقهم مشاعر الافتخار بالهويّة الإسلاميّة الأصيلة المتميّزة، ليفقدوا بذلك شعورهم بالمكانة والدور والمسؤوليّة التي هم جديرون بها، وبديهيّ أنّ ارتكاساً وانهزاماً نفسيّاً كهذا من شأنه أن يمعن أكثر فأكثر في دفع تلك الأمّة إلى مهاوي اليأس والقنوط وانعدام الثقة بالنفس، ما يجعلها تقتنع بأنّها أمّة هامشيّة، لا تمتلك المؤهّلات الكافية، ولا الموارد والطاقات اللّازمة، وبالتالي: فيجب عليها لأجل المحافظة على حياتها أن تستعين بالغرب تارةً، وبالشرق أُخرى، وهو عبارة أُخرى عن ارتهانها للقوى العظمى، وتحوّلها إلى أمّةٍ لا تنتج، بل تستهلك ما ينتجه لها الغير، ولا تفكّر، بل تتلقّى بالقبول كلّ ما يفكّر به الغير..

وقد كانت هذه الهزيمة النفسيّة نتيجةً لـ (غزو ثقافي) مدروس ومخطّط له، جنّد له الغزاة والمستعمرون القدامى جيشاً جرّاراً، ولكن من نوع آخر، هو ليس جيشاً من العسكريّين والمتمرّسين في ساحات القتال، وإنّما هو هذه المرّة جيش من الإعلاميّين ووسائل الإعلام والمستشرقين والأدباء والكتّاب وأصحاب الفنون والمتخصّصين في الدراسات والاستشارات النفسيّة والاجتماعيّة.

هذا الغزو الثقافيّ شكّل غنيمةً بحقّ للقوى الكبرى، حيث كفاهم مؤونة ما كانوا يتكلّفونه من الغزو العسكريّ والمرهق لما كان يجرّه من حروبٍ باهظة الكلفة، وما كان يستتبعه من أحقادٍ وما يستثيره من مشاعر الكراهية للمستعمرين من قبل الشعوب المستعمَرَة والمحتلّة؛ بل إنّ الغزو الثقافيّ أيضاً تقدّم خطوات كثيرة إلى الأمام، حيث جعل المسلمين يقبلون، وعن قناعة بضرورة الخضوع إلى تلك القوى الكبرى واستجدائها، والعيش على فتات موائدها، وصولاً إلى المحاربة تحت لوائها، والتآمر معها حتى على من هم إخوتهم في الوطن والدين!!

وعلى هذا الأساس، ومن خلال قراءة ما يجري حولنا في العالم من أحداث نرى أنفسنا في مواجهة فرصةٍ ذهبيّة قلّ نظيرها، فاليوم تعود إلى الواجهة مفردات الانتصار والصحوة والنهوض والوعي وما إلى ذلك، وتعود مع هذه المفردات تلك المشاعر القديمة التي كادت أن تُدفن للأبد، المشاعر بالعزّة الإسلاميّة وبالفخر بالانتماء إلى هذا الدين، تعود لتتأجّج في النفوس والقلوب، وتعود معها نسائم الثقة بالنفس من جديد، وهو ما نراه السبيل الوحيد لعودة الأمّة إلى طريق العزّة والكرامة والحرّيّة والسيادة، والسبيل الوحيد للتخلّص من هذا الغزو الثقافيّ الذي كاد أن يأتي على مستقبل المسلمين وأملهم بحياة أفضل في ظلّ تعاليم الدين الإسلاميّ. لذلك فإنّنا نحثّ الجميع، كلّ من موقعه، وبحسبه، على ضرورة التفكير مليّاً في كيفيّة استغلال هذه الفرصة السانحة، وعلى أكمل وجه، فالفرص لا تُعطى للإنسان المرّة تلو المرّة، بل هي تزوره، فإن تلقّفها وتشبّث بها، مكثت، وإلّا، رحلت إلى غير رجعة. 

------
علي محسن

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

المرأة.. بين الحقوق المهضومة والهوية الضائعة

للحديث عن دور المرأة ومكانتها في المجتمع الإسلامي مذاق خاص, خصوصاً عندما يتزامن ذلك مع نداءات المرأة المتكررة نحو التحرر والتحضّر, جاعلة من المرأة الغربية قدوة لها, فيما عميت عينها عن تلك المرأة التي جسّدت كل الأبعاد الجمالية والكمالية للمرأة, فكانت بحق هي القائد وهي الأحق بالاتباع, هي الزهراء الطاهرة المعصومة, التي هي امرأة بتمام معنى الإنسان.
نعم, يجري اليوم الحديث عن حقوق مهضومة للمرأة في المجتمع الإسلامي, فهل هذا صحيح؟

نظرة تاريخية


في التاريخ المعاصر شهد العالم الغربي تغيرات واسعة جداً في النظم الثقافية والاجتماعية تماشياً مع التقدم الحاصل في العلوم التجريبية وخاصة على الصعيد الفني والتكنولوجي. وقد كانت البذرة التي أنبتت هذه التغيرات هي الأنشطة الفكرية والعلمية والجهود الثقافية في عصر النهضة, وبعبارة أخرى فإنّه بعدما ولّت القرون الوسطى ظهرت في أوروبا ثقافة جديدة كانت الأرضية للثورة الصناعية, كما كانت الأساس لظهور ظواهر اجتماعية مختلفة.

وبلحاظ المشكلات الكبيرة للمجتمعات الأوروبية مع الكنيسة, على مختلف مذاهبها, تلك المشكلات الناتجة عن الاختلافات التي برزت بين المقامات الروحية من جهة والعلماء والمحققين في العلوم الطبيعية من جهة أخرى, استطاعت الثقافة الجديدة أن تتوصّل إلى فصل الدين وأبعاده كلياً عن الحياة الاجتماعية.

وكان لتطوّر وسائل الاتصال والعلاقات العامّة وانتشارها بين الناس مساهمة فعّالة في ترويج هذه الأفكار وإشاعتها إلى حدّ كبير في المجتمعات الأخرى, ومنها الإسلامية, ناهيك عن توسع ظاهرة الاستعمار, سواء المباشر منه كاحتلال بعض البلدان الإسلامية مثل الجزائر ومصر وغيرها, أو غير المباشر, بمعنى السيطرة على أنظمة الحكم, ورجال الدولة والمقتدرين في المجتمع كما حصل في كثير من بلدان العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر, وما بعده.

في ركب الحضارة


في ذروة هذا الأمر, برزت نداءات مختلفة تنادي باحتذاء النهج الأوروبي للهروب من التخلّف واللحوق بركب التحديث والحضارة. وكنا نسمع من أدبائنا ومثقفينا, بل علمائنا أحياناً, بأن لا نجاة لشعبوبنا الإسلامية إلاّ بسلوك الأوروبيين وتقليدهم في الحياة. وقد عمدت الحكومات في البلدان الإسلامية إلى طلب المساعدة من الدول الغربية في عملية تحديث بلدانها وتمدّنها, وكانت تلك الدول بدورها تشترط إدخال القيم الغربية كبديل عن القيم الإسلامية بحيث يتم فصل الدين عن ساحة الحياة الإجتماعية والسياسية.

ولقد استغل الغرب هذا الوضع لإيجاد الظواهر الاجتماعية المنحرفة عن القيم الدينية والأخلاقية السائدة في المجتمعات الإسلامية فكان لذلك الأثر الكبير على البنية الاجتماعية والثقافية, وكذا على القيم والسلوكيات العامة ومن ذلك الحياة الفردية والاجتماعية للمرأة وأيضاً العلاقات الأسرية. فتبرّجُ المرأة يعني بنظرها حريتها, ومنافستها الرجل في ميادين العمل حقٌ من حقوقها بل هو كمالٌ لها, وإبراز مفاتنها ومحاسنها استدراراً للمال دورٌ أساسيٌ لها تطمح إليه كل من تريد أن تنال مكانة أو شهرة.

ماذا كانت النتيجة؟


لا يمكن لأحد أن ينكر وجود مشاكل كثيرة لدى المرأة, حتى في المجتمعات الإسلامية. ولكن هل كان الحل السليم والعلاج الناجح باستيراد الثقافة والقيم الغربية؟
لقد كانت نتيجة ذلك أن تضاعفت المشكلة لدى المرأة المسلمة أكثر فأكثر.
أولاً: لأنها صارت ـ ومن خلال التلقين الثقافي الغربي ـ تعتبر الإسلام وقيمه سبباً لتخلّف المجتمعات الإسلامية, والمرأة بشكل خاص, في الوقت الذي تبحث فيه عن دور ومكانة لها في هذه المجتمعات الإسلامية, أو على الأقل الشرقية وهي مجتمعات محافظة كما نعلم.

وثانياً: لأن الثقافة الغربية لم تجد الحلول الكاملة لمشكلات المرأة الغربية حتى في مجتمعها.


ما هو الحل؟


واليوم إنّ أغلب الدراسات والكتابات التي قام بها الباحثون والمفكرون, حتى الإسلاميون منهم, كانت تناقش مفردات المشاكل الناجمة عن التقليد الثقافي والقيمي الغربي. وهذا لا يعالج المشكلة لأنّه في التراث الثقافي والاجتماعي التاريخي لهذا المجتمع, وهذا من مسلمات علم الاجتماع.
وعليه, فلا يمكن تشخيص دور المرأة ومكانتها في مجتمع إسلامي بمعزل عن التراث الثقافي والقيم الإسلامية, وبإعفاء الرؤية التوحيدية للإسلام الشاملة لكل جوانب الحياة.
إنّ الرؤية المادية للحياة السائدة في المجتمع الغربي اعتبرت الاقتصاد هو الأساس, وعلى هذا الأساس فقد حددت الدور الأساسي للمرأة واستخدمت المرأة أسوأ استخدام في هذا المجال. أما الأدوار الأخرى مثل التعليم والتربية ووظائف الأمومة والنشاطات السياسية والاجتماعية فقد كانت ثانوية نسبياً.

وبناءً على هذه الرؤية فقد بقي الإنسان الغربي منسجماً مع رؤيته و نظريته للمرأة. أمّا عندما نطبّق ذلك في المجتمع الإسلامي الذي تسوده الثقافة والقيم الإسلامية والرؤية التوحيدية المنبثقة من عالم الغيب, فالأمر يصبح مختلفاً تماماً.
فالدور الأساس للمرأة هو الدور التربوي وخاصة وظيفة الأمومة فالمرأة كالقرآن, كلاهما أو كل إليه صنع الرجال, ومن أحضان النساء يعرج الرجال إلى الكمال. طبعاً لا يعني ذلك إغفال الأدوار الأخرى, فالمرأة مجالها واسع في ميدان المعرفة, ودورها واسع في نهضة المجتمع بل هو أساسي جداً.

كانت هذه في الواقع إشارة حاولنا فيها إلفات النظر إلى حقيقة دور المرأة ومكانتها في المجتمع المسلم, ودعوة للجميع أن يدرسوا الإسلام, أحكاماً وقوانين, ويتعرفوا على القيم الإسلامية ويرجعوا إلى التراث الفكري والحضاري للمسلمين, فهذا هو الطريق الأفضل للمرأة المسلمة التي تعيش في مجتمعاتنا الإسلامية إذا أرادت أن تشخص لنفسها دوراً أساساً ومكانة اجتماعية مرموقة.

---------------------
حسین خضر

الإنسان والحرّيّة المدنيّة

تعتبر الحرّيّة المدنيّة نتيجةً موضوعيّة لما يمثّله الإنسان بطبيعته من شخصيّة حقوقيّة وقانونيّة مستقلّة ومحترمة، وهي من لوازم كون الإنسان له وجوده المتميّز، وله حياته الخاصّة به.
ومن المسلّمات في ديننا الإسلاميّ، بل وفي الشرائع الإلهيّة عامّةً، أنّ الإنسان له شخصيّته القانونيّة وذمّته الماليّة المستقلّة عن غيرها من الذمم. وحقّ الإنسان بالاعتراف بهذه الاستقلاليّة حقّ طبيعيّ له، وهو داخل في تكوينه وفي مقوّمات فطرته وطبيعة وجوده، وهو حقّ لوجود السلطة والمجتمع نفسه، وبالتالي: فلا يصحّ تجاهله أو إنكاره حتى من قبل السلطة والمجتمع أنفسهما، بل لا بدّ لهما من التعامل معه، وترتيب كافّة الآثار المترتّبة على وجوده.

وفي عصرنا الراهن، اعتبر الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان هذا الحقّ من الحقوق اللّصيقة بالإنسان، فأعلن الاعتراف بالإنسان كشخصيّة قانونيّة مستقلّة وكيان قائم بذاته، له وجوده وحياته الخاصّة به، فقد نصّت المادّة السادسة من هذا الإعلان على ما يلي:

(لكلّ إنسان أينما وُجد الحقّ في أن يعترف بشخصيّته القانونيّة).
ولا نبالغ إذا ما قلنا بأنّ هذا الحقّ بالذات هو نقطة انطلاق الإنسان لممارسة كافّة حقوقه، فهو الأساس المتين الصلب الذي يقف عليه أثناء ممارسته لحقوقه وحرّيّاته؛ إذ بدون الاعتراف به يتعذّر على الإنسان يعامل الآخرين، كما يتعذّر التعامل معه.

إنّ حياة الإنسان الخاصّة هي عالمه الخاصّ به الذي وهبه الله إيّاه، وخوّله السلطة التامّة بأن يسوس هذا العالم ويديره على الوجه الذي يراه مناسباً، ومن دون أيّ تدخّل من غيره، فلا سلطان لأحدٍ عليه في اختياره لمأكله أو مشربه أو مسكنه أو عمله أو زوجه أو مراسلاته أو عواطفه، فحرّيّة الإنسان في ذلك مطلقة ضمن حدود قدرته على تحقيق ما يريد، ولا يقيّدها إلّا التوجيهات الإلهيّة التي تضمّنتها الشرائع والأديان. ولم يضع الله سبحانه وتعالى هذه التوجيهات لتصادر حقّ الإنسان، أو تغلّ يده عن إدارتها، بل رحمةً بالإنسان لحماية سيادته على حياته الخاصّة، وإرشاداً له ومساعدةً على إدارتها وتنظيمها، لتمكينه من ممارسة حقوقه المدنيّة على الوجه الأفضل، ودون أن يصطدم حقّه مع حقّ أيّ أحد.

وقد فرضت الشريعة الإسلاميّة على المجتمع والسلطة والآخرين احترام خصوصيّة الإنسان في حياته الخاصّة، والاعتراف بسيادته عليها.
وهذا ما اعترف به الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان حديثاً، بأنّ لكلّ إنسانٍ حياته الخاصّة، وأنّه لا ينبغي التدخّل فيها أو انتهاكها بأيّ شكلٍ من الأشكال، فقد نصّت المادّة الثانية عشرة من هذا الإعلان على أنّه (لا يُعرَّض إنسان لتدخّلٍ تعسّفيّ في حياته الخاصّة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو انتهاكات لشَرَفه أو سمعته، ولكلّ شخصٍ الحقّ في حماية القانون من مثل هذا التدخّل أو تلك الانتهاكات).

إنّ معنى الحرّيّة المدنيّة عموماً: حرّيّة كلّ إنسان في اختيار وتحديد وإدارة الأمور المتعلّقة بحياته الفرديّة وشؤونه الخاصّة، وعلى الوجه الذي يريد، وبدون تدخّل من الغير، هذا على سبيل الإجمال، وأمّا التفصيل:

1) له الحقّ بالعمل، والحرّيّة في اختيار مجال العمل والمهنة التي يريدها لكسب معيشته، ومعيشة من يعول، فمن حقّه ـ مثلاً ـ أن يختار التجارة أو الزراعة أو أيّة حرفةٍ يريدها، شريطة أن تكون هذه الحرفة أو المهنة نافعةً له على المستوى الشخصيّ، أو نافعةً لمجتمعه، ومباحةً من الناحية الشرعيّة، لعلمنا بأنّ شرائع الله لا تصبّ إلّا في خدمة الصالح الإنسانيّ العامّ، وبكونها لا تحترز إلّا عمّا يمكن أن يُلحق ضرراً بالحياة البشريّة بحسب النوع العامّ. ولكلّ شخصٍ الحقّ في مستوىً من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحّة والرفاهيّة له ولأسرته، ويتضمّن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبّيّة، وكذلك الخدمات الاجتماعيّة اللّازمة.

2) له الحقّ بالسكن، والحرّيّة التامّة في اختيار مسكنه وداره وموطنه الذي يريد الإقامة فيه. وقد خصّص الإسلام تشريعاتٍ خاصّة لحفظ حقّ الإنسان في سكنه، فجعل له حرمة خاصّة، وحرّم على الناس كلّهم، بلا استثناء، أن يدخلوا بيت أيّ إنسان إلّا بعد الاستئناس والاستئذان منه والسلام على أهل ذلك المسكن. ويشمل هذا الحقّ المكان الذي يريد الإقامة فيه أيضاً، فله أن يقيم وأن يتنقّل في أيّ مكانٍ من العالم كلّه، فقبل نشوء الدول المعاصرة وقيام كلٍّ منها بإغلاق أبواب حدودها كان بإمكان الإنسان أن يقيم أينما يشاء، كما أنّ مسألة الجنسيّة اختراع جديد أقرّته الدول لتنظيم أمور رعاياها وتحديدهم تحديداً قاطعاً، ما جعل موضوع الجنسيّة على جانبٍ كبير من الأهمّيّة.

3) لكلّ إنسانٍ الحقّ بالزواج (الشرعيّ)، واختيار الزوج أو الزوجة الذي يريد أو تريد قضاء حياته أو حياتها معه أو معها، فليس لأحدٍ أن يجبر إنساناً، رجلاً كان أو امرأةً، على الزواج أو تركه، وهو حقّ طبيعيّ وهبه الله تعالى إيّاه، وهو سابق لوجود السلطات وتكوّن المجتمعات، ولا يمكن مصادرته أو التدخّل فيه.
4) له الحقّ بالتعلّم، والحرّيّة في اختيار المجال الذي يريد أن يتخصّص به، ويُعدّ الإسلام أكثر الأديان اهتماماً بالعلم وتشجيعاً عليه، يكفينا أن نعلم أنّ المجتمع النبويّ تحوّل بأسره من مجتمعٍ جاهليّ أمّيّ إلى مدرسةٍ أو معهد أو جامعةٍ كبيرة تتّسع للجميع، وكلّ ذلك بفضل الإسلام وتعاليمه والرسول الكريم وإرشاداته.

--------------------
حسن يحيى

الخميس، 20 أكتوبر 2011

تحديات العنف للحرِّية والإبداع

تبقى الحرِّية أمل الشعوب المكبلة، وحلما يراود أجيالها المضطهدة، تطمح لرؤيتها يوماً ما إلى أرض الواقع، كي تنتشي بمذاقها وتتمتع بممارستها، وتسترجع كرامتها الممتهنة. لقد ولد الإنسان حرا لولا التسلط والإستبداد والظلم والعنف الذي سرق حرِّيته، حتى كاد يخشى التحدث مع نفسه، فضلا عن البوح بقناعاته ووجهة نظره. ومن تحدى الممنوع وخاطر باعلان معارضته وبيان وجهة نظره كان مصيره التشريد والسجن والتعذيب والحرمان والقتل في ظل أنظمة إستبدادية متسلطة. لكن رغم كل ذلك ظلت الشعوب تطالب بحرِّيتها وتتوق إلى أجواء التحرر من عذاب الإستبداد والعنف لتطرح رأيها وتفصح عن آمالها وتطلعاتها، وتعبر صراحة عن قناعتها، ويكون لها وجود حقيقي يفرض نفسه في المعادلات السياسية.
ولا يكتب للمجتمع المدني النجاح ما لم تتوافر أجواء حرة تسمح بالتعدد والإختلاف الذي يتجلى عبر الأحزاب والجمعيات والصحف والمجلات، سيما المعارضة منها. وحينما تتوفر الحرِّية تصبح القرارات، خصوصاً القرارات المصيرية، أكثر متانة وقوة. لأنّها لا تتبلور وتكون قوية إلا بتعدد وجهات النظر، وممارسة النقد بعيداً عن أجواء الخوف والإضطهاد. وهذا بدوره يتوقف على حرِّية الرأي والتعبير. كما ان تقويم تجربة الحكم ونقد الممارسة اليومية للسلطة والمعارضة معا لا تتحقق إلا من خلال أجواء حرة تسمح بذلك. إذن فالحرِّية، التي هي الركن الأساس لقيام المجتمع المدني، تحقق مكاسب عظيمة للفرد والمجتمع معاً. وأوّل تلك المكاسب أنها تشخص نقاط الضعف من خلال النقد البناء وتساعد على صدور قرارات محكمة ومتبناة من قبل الشعب الذي ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في بلورتها. وثانياً، أنّ الأجواء الحرة تساعد على نمو القابليات والإبداع، وتساهم في اثراء التجارب عبر النقد والتقويم الحر والشجاع. ثالثاً، انّ الحرِّية توفر أجواء آمنة نقية لا تشوبها شائبة العنف، حتى يتمكن الرأي المعارض من التعبير عن وجهة نظره علنا وأمام الجميع بعيداً عن العنف. وبهذا يتضح أنّ العنف أقوى تحد يواجه الحرِّية، لأنّه يقمع الآخر ويصادر حرِّيته.
ثمّ ان قمع الرأي الآخر واحصاء الأنفاس يتحول بمرور الأيام إلى تمرد، ورفض، وثورة وعصيان، والبحث عن متنفس لتفجير المكبوت وفري الأورام المتخزنة، لينقلب كل شيء ضده، فيسود العنف ويتزعزع الأمن والإستقرار. وهذا ما نشاهده في الدول التي يسودها نظام بوليسي مخابراتي صارم يكمم الأفواه، ويضطهد كل لون من ألوان المعارضة حتى بيان وجهات النظر أو إبداء ملاحظات تقويمية. ويطالب الناس دوماً بالعبودية والطاعة للسلطان. فهذا اللون من نظام الحكم لابدّ أن يواجه تحديات مخزونة تفاجئ الأجهزة الأمنية وتربك الوضع. لذا ليس أمام الأنظمة سوى المزيد من الحرِّية كي يتنفس الفرد ويلقي همومه على صفحات الإعلام ولا يتحول إلى قنابل موقوتة تنتظر الفرصة لتتفجر وتفجر الوضع معها.
إذن لا تتحقق مصداقية المجتمع المدني ما لم تكن السلطة مراقبة من قبل برلمان منتخب بشكل شرعي، وصحافة حرّة تعبر بكامل حرِّيتها عن وجهة نظرها، وتلاحق المسؤولين الحكوميين في قراراتهم للتأكد من حماية حقوق الفرد والمجتمع طبقاً للقوانين المعتمدة. وسيِّئة العنف انّه يقمع الرأي الآخر ويحرّم النقد ويتستر على الجريمة والتلاعب والإنتهاكات، فيخسر الفرد كرامته بعد ضياع حقوقه. ولا يختص الأمر بالحرِّيات السياسية وإنّما هو شامل لكل الحرِّيات. أي كما انّ الأداء السياسي يتطلب هامشاً كبيراً من الحرِّية لتفادي العنف، كذلك الأمر بالنسبة إلى العقيدة والفكر والدين، التي يتوقف أداؤهما على نفس المستوى من هامش الحرِّية السياسية أو أكثر، كي لا يصنع العنف من الإختلافات الفكرية والعقدية والدينية والمذهبية، عقدة نفسية، شعر معها الفرد بالحرمان والإضطهاد، فينقلب أكثر تعنداً وتصلباً لرأيه وعقيدته. بل ويبرر لنفسه ممارسة العنف لتحقيق شيئاً من حقوقه.
إنّ الحرِّية داخل المجتمع المدني ستضع العقائد والأفكار في مواجهة تحديات مثيلة تختلف عن تحديات العنف. فيفترض في كل عقيدة آنئذ إثبات جدارتها وعقلانيتها. أي انّ الساحة في ظل المجتمع المدني ستتحول إلى ميدان إختبار للأفكار الناجحة والعقائد السليمة، وسينكشف الزيف والتزوير وتسقط الأقنعة والممارسات الخاطئة باسم الدين والعقيدة والفكر، ويصبح البقاء للاصلح منها. ولا شك ان بعض القيمين على الفكر والدين، أيّاً كانوا، يرون في هذا اللون من الحرِّية خطراً حقيقياً عليهم، فيضطرون للدفاع عن مصالحهم باسم الدفاع عن الدين. ولا بأس في ذلك إذ طالما دافع فرعون مصر عن مصالحه الشخصية، التي تعرضت للخطر بسبب دعوة موسى (ع)، باسم الدفاع عن الدين. وكان يحذر قومه من خطر الدعوة الجديدة، مبينا لهم الهدف الحقيقي لموسى، من وجهة نظره، فيقول متهما اياه: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (غافر/ 26-27). غير أن بعض قطاعات المجتمع سرعان ما اكتشف خديعة فرعون والتحقت بالحق المتمثل بموسى (ع). إذا هامش الحرِّية الكبير الذي يوفره المجتمع المدني سيفضح الوجوه المقنعة بقناع الدين أو الفكر أو السياسة أو الوطنية وما شابه ذلك، بعد تلقى المواطن ثقافة حرّة مباشرة تنمّي فيه قدرة كبيرة على النقد وترقى به إلى مستوى المسؤولية السياسية تجاه الحكم، فيختار من له مصداقية تؤهله لتسنم السلطة كأداة لخدمة الوطن والمواطن معاً دون الإستئثار بها أو تكريسها لمصالحه الشخصية أو الحزبية.
إذا نخلص من إستعراض التحديات أن تداعيات العنف قد تكون أخطر من العنف ذاته، وان خسائر البشرية والأديان والحضارات تصل حدا يصعب تقدير حجمها. غير أنّ المؤسف انّ الممارس للعنف لا يعي حجم ما يترتب على فعله أو أنّه يقصد ذلك مما يكشف عن دواعي نفسية خطيرة.
المصدر: كتاب تحديات العنف

دليل الحريات في القرآن الكريم

1- حرِّية الإختيار:
قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ...) (الكهف/ 29).
- التطبيق الحياتي: إذا فكّرتَ تفكيراً حرّاً مستقلاً، فلابدّ أن يقودك إلى الحقِّ لأنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية السّليمة، وأمّا إذا استسلمتَ لهواك، وخضعتَ للتقاليد والعادات والأعراف والشهوات المنحرفة، زاغَ البصرُ وزالت القدم.
فالإنسان في الإسلام حرٌ في إختياره بعدما اتّضح له سبيل الرشد (طريق الحق) وسبيل الغيّ (طريق الكفر والإنحراف)، وعليه أن يتحمّل مسؤوليّة إختياره في النتائج الإيجابية المترتِّبة على الرشد والإيمان، وفي النتائج السلبية المترتِّبة على الغي والعصيان.
إذاً أنتَ الذي تصنع مصيرك بنفسك من خلال حُسن أو سوء إختيارك، ويصدق ذلك عليك كفرد وعلى المجتمع كمصير جماعي. ولابدّ من التنبيه والتنبّه إلى أنّ إرادة الله (تالية) وإرادتك (سابقة)، فعلى ضوء المقدّمات تكون النتائج.
ورد في الحديث: "مَن أرادَ عزّاً بلا عشيرة، وغنىً بلا مال، وهيبةً بلا سُلطان، فلينتقل من ذلِّ معصية الله إلى عزِّ طاعته".
وعن الإمام الصادق (ع): "إنّ الله فوّض إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يُفوِّض إليه أن يُذِلّ نفسه، قال: يتعرّض لما لا يُطيق، أو يدخل في ما يعتذر منه".
2- الحرِّية الفكريّة:
قال تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...) (البقرة/ 256).
- التطبيق الحياتي: الله تعالى أعطاك فرصة الإختيار بعدما قدّم لك الأدلّة والبراهين، على أنّ الدِّين هو الحقّ، وأنّ الكفر هو الباطل، وبكلمةٍ أخرى، فإنّ الله لا يريد أن يفرض دينه عليك من خلال (التشريع) بل من خلال (الإختيار).
فالدِّين هو فكر وعلى مقدار أعمالك لعقلك تهتدي لصلاحه وصلاحيّته للحياة، وقد قيل: إنّ قضيّة الإيمان والكفر هي قضيّة إستعمال أدوات المعرفة التي تفتح قلبك على الحقيقة وعينك على الحياة.
فإذا أغمضتَ عينيكَ عن الشمس وأنكرتها فلا يعني ذلك عدم وجودها، بل يعني أنّك عطّلت أداة المعرفة بها والكشف عنها.
إنّ لك كامل الحرِّية في أن تطرح علامات الإستفهام التي تدورُ في ذهنك وتُطالب بالأجوبة الشافية عنها، حتى لا يبقى هناك شيء غامض يوحي لك بالقلق والحيرة، فالله تعالى لا يريد أن تكون لك حجّةٌ عليه.
3- الحرِّية الشخصية:
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ...) (الأحزاب/ 36).
- التطبيق الحياتي: لا حرِّية أمام أوامر الله ونواهيه، بل لابدّ من الإستسلام المطلق؛ لأنّ إرادتك – بعدما آمنت – هي صدى لإرادة الله، فلا إستقلالية لك أمامه، إستقلاليّتك هي أمام الآخرين كلّهم، وهذا هو معنى أنّ (عبوديّتك) لله هي حرِّيّتك الحقيقيّة؛ لأنّها تُحرِّرك من كلِّ القيود المصطنعة.
فبإستجابتك لإرادة الله، تحفظ توازنك، ويحفظ المجتمع نظامه، وتحفظ الحياة قوّتها وإستقرارها وإزدهارها.
فسواء كان حكم الله موافقاً لمزاجك أو مخالفاً له، فلا مجال للإختيار الذاتي، أو الموازنة بين ما تريد وما يريد الله، هذا هو معنى (الإسلام).. فهو أن تختار ما يختاره الله، وأن تشتهي ما يريد لك الله؛ لأنّه لم يأمرك بباطل ولم ينهك عن حقّ، فكلّ ما في أوامره ونواهيه مصلحة لك قدّرت ذلك أم لم تقدِّر.
فأنتَ لستَ أمام قانون وضعي لتعطي رأيكَ فيه، فمصمِّم القوانين هنا ومُرتِّبُها، هو نفسه الذي صمّمك ورتّبكَ وركّبك، فعرفَ ما يُصلحكَ وما يُفسدك، فدعاكَ إلى الأولى ومنعك من الثانية؛ لتسعد في الحياة لا تشقى فيها.
يقول عزّوجلّ: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور/ 51).
وقال جلّ جلاله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء/ 65).
وقال سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ...) (النساء/ 125).
4- الحرِّية الجنسية:
قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) (الإسراء/ 32).
- التطبيق الحياتي: للعلاقات الجنسيّة في الإسلام نظام وقناة تأمين وهو (الزّواج) وما عداه فهو إعتداء على حرمات الله، وإنحراف عن القاعدة الإجتماعية التي أرد الله لها أن تحكم تلك العلاقات.
فالزِّنا ليس مسألة فرديّة تخضع فيها لمشاعرك الجنسيّة أو نزواتك الغريزيّة، بل هو تمرّد على نظام إجتماعي، وتُخطئ إذا تصوّرت أنّ الزِّنا أمر خاص لا علاقة له بالنظام الإجتماعي الذي يُحدِّد الخطّ الأخلاقي لعلاقاتك مع مجتمعك، حيث لابدّ من مراعاة العفّة والطهارة كقيم عُليا في هذه العلاقات، كما أنّ للزِّنا علاقة خطيرة في إختلاط الأنساب، وفقدان الجوّ الأسري الذي تسوده المودّة والرحمة.
وما يُقال عن الزِّنا، يُقال عن الشّذوذ الجنسي، لواطاً وسحاقاً، وبالتالي فليس في الإسلام (حرمان) بل فيه (تنظيم) و(تقنين)، أي أنّ القيود الشرعية في العلاقات الإنسانية تستهدف حماية الأجواء العامّة من النتائج السلبية.
لم يكن يوسف (ع) يعاني عنّةً جنسية، بل هو كأيِّ شابٍّ ممتلئ رغبة جنسية، لكنّه وقف في مفترق طريق، بين أن يُلبِّي رغبة إمرأة العزيز فيفقد مناعته الأخلاقية، ويخون وليَّ نعمته، وبين أن يرفض الإنحراف. ليحفظ لروحه طهارتها من خلال محافظته على طهارة جسده. فهو لم يكن يرفض المرأة بدليل أنّه تزوّج فيما بعد، ولكنّه رفض أن يعصي الله في علاقة غير مشروعة، ولذلك فإنّه بعد المرور بالتجربة الصعبة والنّجاح فيها، شعر بقوّته أكثر، وبحرِّيّته أكثر، وبقُربه من الله أكثر.
وبالأقوياء الممانعين – كيوسف (ع) وأمثاله – تُبنى الحياة الصالحة.
5- الحرِّية الإقتصادية:
قال تعالى في مجادلة قوم شعيب شعيباً (ع): (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ...) (هود/ 87).
- التطبيق الحياتي: الإسلام يدعو إلى الحرِّية الماليّة من خلال مصلحة الإنسان وتوازن الحياة، وهو يرفض الحرِّية الإقتصادية التي لا تخضع للمفاهيم الإنسانية والأخلاقية. فالإسلام هنا يفصل بين فهمين:
فهم قوم شعيب للملكيّة الفردية: (نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ)، بلا ضوابط.
وفهم شعيب (ع) للحرِّية الإقتصادية: (.. إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ...) (هود/ 88)، أي الإيمان بالحرِّية الإقتصادية على أن لا يستغلّها أصحابها في إفساد الحياة والناس، فإذا تحوّلت إلى عنصر إفساد، وقف الإسلام بحزم ليُقيِّدها.
قال تعالى في الحجر على أموال السّفهاء الذين لا يُحسِنون التصرّف بأموالهم: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا...) (النساء/ 5).
وبناءً على ذلك، فإنّ الإسلام يرى أنّ مصلحة الإنسان في الحياة تفرض بعض التحفّظات والقيود والضّغوط التي تُساهم في تصحيح مسيرته من جهة، وتمنع أيّة عمليّة إفساد في المجتمع من جهة أخرى، ليعيش المجتمع في توازن إقتصادي لا يُهدِّد إستقراره ولا يُعرِّض الناس للإبتزاز والإستغلال.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

أمتنا بين الانشطار والتماسك

لست سلبيًّا حينما قدّمت كلمة الانشطار على كلمة التماسك، ولا أريد أن أنظر إلى واقع أمتنا الإسلامية بعين سوداوية، ولكنها -مع كل أسف- وصف لواقع الحال. وقد عمل المخلصون -علماء ومفكرون ومثقفون وساسة وذوو الرأي والنظر- من أبناء هذه الأمة لإيقاف حالة الانشطار هذه والصيرورة إلى أحسن الأحوال، ولكنهم تفاجؤوا بأن ما يمكن الوصول إليه لا يرقى إلى مستوى التماسك فضلاً عن الاندماج الذي طالما طمحوا إليه وعملوا من أجله.
وعلى الرغم من أن الرباط الوثيق الذي به تم اتحاد المختلفين واندماج المتفرقين ما زال موجوداً، ويدَّعي كل من أبناء الأمة التمسك به والاعتصام بحبله المتين، مما يعني أن المشكلة تكمن في صحة الدعوى، أو في وجود موانع وعقبات تحول بين أبناء الأمة وقيم التماسك والاندماج الحقيقي، مما يجعلها تعيش التنافر بين ما تؤمن به والواقع الذي تعيش فيه.
وقبل الولوج في هذه الإشكالية ينبغي أن نقف على المعنى الذي من خلاله تتشكل الأمة، ومن خلاله تطلق الأمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[1].
الأمة في اللغة على معانٍ، منها: الطريقة والملة والدين، ومنها: القوم المجتمعون على أمر ومقصد واحد، ومنها غير ذلك، لكن الذي يعنينا هنا هو أن كل قوم نُسبوا إلى نبي وأضيفوا إليه فهم أمة[2].
قال الشيخ الطبرسي: أصل الأمة الجماعة التي على مقصد واحد، فجُعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماعهم بها على مقصد واحد[3].
وقال السيد الطباطبائي: أصل الكلمة من: أمَّ يأمُّ إذا قصد، فأُطلق لذلك على الجماعة، لكن لا على كل جماعة، بل على جماعة كانت ذات مقصد واحد وبغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، وهو المصحح لإطلاقها على الواحد وعلى سائر معانيها إذا أطلقت[4].
وعلى هذا المعنى يمكن أن تكون القومية أو الجغرافيا أو العرق أو الفكر أو العقيدة مجتمعةً أو آحاداً مرتكزاً لتحقق مفهوم الأمة الواحدة، وحينها تنسب إلى ما ارتكزت عليه فتكون أمة عربية أو كردية أو غيرهما، وهكذا بالنسبة إلى البقية.
وأمتنا تنسب إلى الإسلام فكراً وعقيدةً وإيماناً مما يعني أن الدوائر الأخرى ينبغي أن تنصهر في بوتقة الإسلام، فالأعراق والقوميات والجغرافيا، وكذلك الأفكار، كلها تتصاغر وتندمج بعضها مع بعض تحت لواء الإسلام لتكون أمة واحدة متماسكة يخضع جميع أبنائها للواحد الأحد ويتمتع الجميع بالسوية، فلا يمتاز بعضهم على بعض إلا بالتقوى.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[5].
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ وَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إِلا بِالتَّقْوَى»[6].

دعوى الانتماء:

الانتماء الحقيقي إلى أمة الإسلام لا يتم من خلال التواجد على أرض المسلمين أو الولادة من أبوين مسلمين[7]، وإنما يكون من خلال الإيمان بالجامع المكوِّن لمفهوم الأمة والعمل بمقتضاه أمراً ونهياً.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[8].
قال السيد المدرسي: «وفي هذه الآية يضع القرآن الحكيم المقياس الاجتماعي الذي يميز المنافق عن المؤمن وهو مقياس الوحدة الإيمانية، فلو ادَّعى جماعة أنهم مؤمنون ثم تفرّقوا أحزاباً وشيعاً انطلاقاً من أهوائهم ومصالحهم فإن ادّعائهم سيكون باطلاً وسخيفاً لأن المؤمنين تجمعهم كلمة واحدة هي كلمة التوحيد، وإن التقوى هي محور نشاطهم وصبغة أعمالهم وحياتهم»[9].

العلاقات وإشكالية الانشطار:

التفرّق والتمزّق الذي ابتليت به الأمة يعود في الغالب إلى اضطراب في العلاقة بينها وبين قيمها الجامعة، وبينها وبين مراكز القوى فيها، وينعكس ذلك على العلاقة بين سائر أبنائها.
1- القرآن الكريم حدد محورية الحق سبحانه في الأمة التي يريد وأمر بالاعتصام بحبله.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[10].
ونهى عن التنازع مبيناً أسبابه وعلاجه ونتائجه. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[11].
2- يقوم الحاكم بدور هامٍّ وخطيرٍ جدًّا في حراسة القيم وتقديمها إلى أبناء الأمة بما يليق وشأنها وشأن الأمة التي تنتمي إليها، ولذا أصبح قربه منها معرفةً والتزاماً وسلوكاً، وقدرته على تحمل المسؤولية هو السبيل لتوليه هذه المكانة وهذا المنصب، كما أن بُعده عنها هو الآخر يبعده عن هذا الموقع.
ولعل الكلمة الجامعة لهذه المعاني وغيرها أيضا هي (الظلم) فمن اتَّصف بأي نوع منه فإنه لا يجوز أن يكون في هذا الموقع، ومن كان على هذه الصفة وتبوأ منصب الحكم فإنه يعد معتدياً مغتصباً للمنصب.
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[12].
ومع أن هذه الآية الشريفة ترتبط بالنبوة والإمامة ارتباطاً مباشراً، وتبيّن أن من تلبّس بظلم في أي آن من آنات حياته فإنه لا يليق لهذا المنصب، إلا أنه يمكن لنا الاستفادة منها في المواقع المختلفة التي تحمل أية مسؤولية في الأمة.
وإذا دققنا النظر في الآثار المترتبة على الظلم فإننا سنجده سبباً أساساً في تمزيق الأمة وتفريقها وتقطيع أوصالها، وما الثورات والانتفاضات التي قامت ضد الحاكمين على مرّ التاريخ إلا صرخة في وجه الحاكم الظالم غالباً ومقاومة له، ومن الطبيعي أن يسفر عن التصادم بين الحاكم والمحكوم المزيد من التباعد والتباغض والتمزق والتفرق.
ولسنا هنا في صدد ذكر مثالب الحكام وتعداد المظالم الصادرة عنهم وعن رجالهم قديماً وحديثاً ولكن ما ينبغي الوقوف عليه هو: أن الظلم وما يتبعه من قهر وذلّ واستعباد وتعذيب وتنكيل هو من الأسباب الرئيسة في تمزّق الأمة، وعليه فإن الطامحين في وحدة الأمة والعاملين في هذا الحقل تقع عليهم مسؤولية مقاومة الظلم والظالمين بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية أو الجغرافية أو غيرهما وموقعهم في السلطة، فقبح الظلم المقرّ من جميع العقلاء لا يخفّف من قبحه أي انتماء، ولا تستر سوءته المكانة والموقع في السلطة.
ولهذا انبرى الصالحون من أبناء هذه الأمة وفي مقدمتهم أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة الأجلاء (رضي الله عنهم) لتصحيح الاعوجاج الصادر من الحكام، وبذلوا كل غالٍ ونفيسٍ لمنع الظلم ورفعه من واقع الأمة، وبغض النظر عن الإخفاقات والنجاحات في هذا المضمار إلا أنهم، ووفقاً لقيم الدين الحنيف الجامع لهذه الأمة، أدَّوا ما عليهم من مسؤولية تجاه دينهم وأمتهم، وتستمر قافلة المصلحين في مقاومة ما يفتت ويمزق الأمة، وما الدعوات التي تصدر من المصلحين لرفع الظلم والحيف عن الناس إلا طلباً لوحدة الأمة وتماسكها بالعودة إلى الدين الجامع. واتهامهم بتمزيق وحدة الصف وشقّ عصا المسلمين وغيرها من الأوصاف كالانفصاليين والمخربين ما هو إلا مجانبة للحقيقة والإمعان أكثر فأكثر في ممارسة الظلم، مما يعني المزيد من التشرذم والتفرق.
والصحيح هو: النظر إلى دعوات المصلحين بعين العقل وعرضها على قيم الدين فما وافقها ينبغي العمل به، والالتفات إلى آثار مخالفته. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[13].
3- منذ أن ودّعت الأمة الإسلامية الخلافة العثمانية في العام 1924م تفرّقت إلى عدد كبير من الوحدات السياسية، وهذه الوحدات ليس لها كيان سياسي واحد سوى منظمة المؤتمر الإسلامي التي أسست في 12 رجب 1389 هـ الموافق 25 سبتمبر 1969م، وتضم سبعاً وخمسين دولة إسلامية، وهي شكل من أشكال التعبير عن وحدة العالم الإسلامي.
وهذا الشكل، وإن كان محفوفاً بالهشاشة والضعف في الكثير من القضايا الخلافية في العالم الإسلامي، إلا أن وجوده أمر مطلوب، ولكن يجب أن نعترف أنها لم تتقدم خطوة واحدة في سبيل وحدة الأمة، أو فقل ليس من اهتماماتها، ولكن من المؤكد أن من صلب اهتماماتها منع الانشطار والتشظي بين أبناء الأمة! وعليه ينبغي «إعادة تقويم خبرتها السابقة في مجال الأمن الجماعي والتسوية السلمية للمنازعات بين الدول الأعضاء. فالاتجاه العام الذي سيطر على موقف المنظمة هو الابتعاد عن النزاعات العربية والأفريقية وتركها للمنظمات الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وجامعة الدول العربية. ولعل حالة الحرب العراقية الإيرانية تؤكد هذا الاتجاه. والشيء ذاته ينطق -وبدرجة أكثر وضوحاً- على مسألة الاحتلال العراقي لدولة الكويت»[14]. والاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق وهما من الدول الأعضاء.
وإذا تجاوزنا هذا الإطار واتجهنا إلى سائر الأطر ذات الطبيعة الجغرافية أو غيرها فهي ليست بأحسن حالاً من هذه المنظمة، مما يفرض على الجميع تقوية هذه الأطر من خلال العودة إلى القيم الجامعة التي يدين بها أبناء الأمة الإسلامية.
ولعل تصحيح العلاقات فيما بينهم تكون من الأولويات الملحة وخصوصاً في زماننا هذا الذي استبدلت فيه العلاقات الأخوية بالعلاقات الكيدية، بل والتآمر من خلال الاستعانة بالأعداء «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
4- شكّل دخول الناس في الإسلام انتماءً جديداً يتطلب منهم هجران الرواسب في انتماءاتهم السابقة، فالقبيلة والقوم والوطن وغيرها انتماءات مقبولة إذا كانت نقية من أدران الجاهلية وأدرجت في إطار الإسلام، بحيث يكون ولاء الإنسان إلى الدين أولاً وبالذات وليس العكس.
ولمزيد من الاندماج وتأكيداً لحالة الانسجام بين أبناء الإسلام فقد ارتقى بالعلاقة بين أبنائه إلى مستوى الأخوة وهي رباط معنوي يتصل بالواحد الأحد، وهكذا يكون الاعتقاد بالتوحيد له انعكاسات على الواقع الخارجي بين المؤمنين.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[15].
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِنِ اشْتَكَى شَيْئاً مِنْهُ وَجَدَ أَلَمَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ، وَأَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لأَشَدُّ اتِّصَالاً بِرُوحِ اللهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا»[16].
وسئل الإمام الرضا (عليه السلام): مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ؟ فقال (عليه السلام): «فَقَالَ إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمَوَدَّةَ لَهُ فِي صَدْرِهِ، وَالْمُوَاسَاةَ لَهُ فِي مَالِهِ، وَالنُّصْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ غَائِباً أَخَذَ لَهُ بِنَصِيبِهِ، وَإِذَا مَاتَ فَالزِّيَارَةُ إِلَى قَبْرِهِ، وَلا يَظْلِمُهُ، وَلا يَغُشُّهُ، وَلا يَخُونُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَغْتَابُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَقُولُ لَهُ أُفٍّ فَإِذَا قَالَ لَهُ أُفٍّ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلايَةٌ، وَإِذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَدُوِّي فَقَدْ كَفَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَإِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»[17].
ومن خلال ذلك اجتمعت القوميات والأعراق والأنساب والأوطان كلها تحت راية التوحيد، وأصبح الجميع في دين الله أخواناً.
والآن هل العلاقة بين أبناء الأمة على هذا الوجه؟ أم أن الأمر عاد كما كان قبل الإسلام؟ والحقيقة المرة هي أن الأمر عاد منذ زمن بعيد حتى قال ابن خلدون: إن عصبية الجاهلية نسيت في أول الإسلام، ثم عادت كما كانت، في زمن خروج الحسين (عليه السلام) عصبية مضر لبني أمية كما كانت لهم قبل الإسلام[18].
وقال أحمد أمين: لم يكن الحكم الأموي حكماً إسلاميًّا يُسوّى فيه بين الناس، ويُكافأ فيه المحسن عربيًّا كان أو مولى، ويعاقب من أجرم عربيًّا كان أم مولى، ولم تكن الخدمة للرعية على السواء، وإنما كان الحكم عربيًّا، والحكام فيه خدمة للعرب على حساب غيرهم، وكانت تسود العرب فيه النزعة الجاهلية، لا النزعة الإسلامية[19].
وواقعنا المعاصر ليس بعيداً عن هذه العصبيات وتلك الرواسب التي عمل الإسلام على إبعادها عن أبنائه منذ اليوم الأول؛ لذا نحن بحاجة إلى تداخل أبناء الأمة بعضها مع بعض مما يتيح للجميع فرصة التعارف والتآزر والمناصرة والتكافل فيما بينهم. ولكي يتم ذلك ينبغي الاستفادة من الحج والعمرة بعقد المؤتمرات والحوارات واللقاءات فيما بين المسلمين، كما ينبغي تأسيس المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والأهلية -ولعل الأخيرة هي الأهم- على مستوى الأمة ذات الطابع التشاوري أو العملي بمختلف التوجهات العلمية والعملية.
5- التعدد المذهبي في الأمة الإسلامية، بل وغيرها من الأمم، لا يؤدي بالضرورة إلى التفرّق والتشرذم، إلا إذا دخلت عليه مؤثرات من الخارج تقوم بتوظيفه لأهداف خاصة لا تنسجم مع وحدة الأمة وائتلافها، وهذا يعني أن ما تشهده بعض الساحات الإسلامية أحياناً من تدابر أو تنازع بين أتباع المذاهب الإسلامية ليس الخلاف العلمي هو المسؤول عنه، وإنما هو نتيجة لتدخل بعض الساسة أو المنتفعين في استغلال الخلاف وتوظيفه للاصطفافات الطائفية والنعرات المذهبية. وتشتد الحالة خطورة حين يتحوّل الحكّام إلى رجال طوائف يعملون على نبذ وتحقير الطوائف الأخرى وسلب حقوقها تعالياً عليها وتعصباً ضدها، والنتيجة الطبيعية لمثل هذا السلوك ليس التماسك والاندماج قطعاً وإنما التفكّك والتفرّق والانقسام، ومن المؤكد أن الرابح لن يكون هو بل أعداء الأمة.
وقد عمل المخلصون من أبناء الأمة على نبذ الطائفية وإبعاد الطائفيين عن ساحة التأثير ومنعهم من استغلال الخلاف العلمي إلى مادة لتأجيج الصراع والانقسام، وقد حققوا نتائج هامة على مستوى المذاهب الأربعة (المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي) بالرغم من الحوادث المؤسفة والمؤلمة التي حدثت فيما مضى من التاريخ.
والآن تبقى الآمال معقودة على تلك الجهود أيضاً في إكمال مهمتها لتتلاقى المذاهب جميعاً الشيعية منها والسنية صفًّا واحداً للنهوض بهذه الأمة إلى ما كانت عليه في تاريخها المجيد.
وعلينا أن نعي أن سلاح الإقصاء والتهميش والتكفير لن يوصل أحداً إلا إلى الخسران والتفكك والضياع «والعياذ بالله».
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الأنبياء/ 92.
[2] كتاب العين، الخليل الفراهيدي، ج 8 ص 428.
[3] تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي ج 7 ص 111.
[4] تفسير الميزان، السيد الطباطبائي ج 2 ص 123.
[5] الحجرات/ 13.
[6] بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 73 ص 350.
[7] الولادة يترتب عليها أثر الإسلام إن لم يعقبها جحود.
[8] المؤمنون/ 52.
[9] تفسير من هدى القرآن، السيد المرجع المدرسي ج 8 ص 191.
[10] آل عمران/ 103.
[11] الأنفال/ 46.
[12] البقرة/ 124.
[13] الأنفال/ 46.
[14] منظمة المؤتمر الإسلامي: بلورة لمواقف لفظية دونما أثر عملي، بقلم: د. حمدي عبد الرحمن:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1AE3F47F-4A6E-450F-A782-539E2571677F.htm
[15] الحجرات/ 10.
[16] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 58، ص 149.
[17] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 58، ص 233.
[18] نقلاً عن كتاب جهاد الإمام السجاد [عليه السلام]، السيد محمد رضا الجلالي، ص 135.
[19] نقلا عن كتاب جهاد الإمام السجاد [عليه السلام]، السيد محمد رضا الجلالي، ص 137.
----------------------
الشيخ محمد حسن الحبيب

الأمة.. والكراهية والتعايش بين الطوائف

كمدخل لفهم الأزمة التي تعانيها الأمة لا بد من تشريح النسيج الاجتماعي والديني؛ لنتعرف على كل أطياف الأمة، ومدى تنوعها الفكري والمذهبي والقومي، وأهمية ذلك في دفعها للرقي، أو إضعافها وتمزيق وحدتها.
والقاعدة التي يمكن أن ننطلق منها في معرفة واقع الأمة، لا بل المجتمع البشري، هي أن التنوع هو الأصل في كل المجتمعات وكل الأمم، والأصل في التنوع هو التعدد. وتمثل هذه المسلمة الفكرية المنطلق السليم في التعامل مع المختلف، وتحقيق حالة التعايش والسلم الاجتماعي. وما نراه اليوم من عنف وإرهاب ينطلق من نفي هذه المسلمة أو تجاهلها وفرض القناعات الشخصية على الآخر، وهذا الأمر يدعو ليس إلى الصدام مع الآخر الذي نختلف معه، بل مع سُنَّة الحياة وقوانين الخلقة؛ لأن الله جلَّت قدرته خلق التنوع في كل ميادين الحياة، وجعله آيةً تدل عليه، وتخبر عن حكمته وعظيم صنعه.
قال تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ[1].
ونحن عندما نقرأ حالة التنوع البشري نُصاب بالدهشة لكثرة تعددها، فنرى العربي والكردي والفارسي والتركي والهندي والصيني والأوروبي والأمريكي و..، وعندما ندخل في تشريح العرب نجد تنوُّعاً هائلاً في القبائل والعشائر واللهجات والأديان والألوان والتقاليد والثقافات وغيرها، وكذا لو قمنا بتشريح القومية الكردية أو الفارسية أو التركية وغيرها من القوميات، فإن كل قومية تتنوع بين طوائف وقبائل متعددة ومختلفة في العادات والتقاليد والثقافة. وقد ذكر مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية المصري أن التنوع البشري في عالم اليوم وصل إلى ستة آلاف جماعة أولية، ووصل عدد اللغات التي يتحدث بها البشر إلى ستة آلاف لغة كذلك[2].
ولكي ننطلق في معالجتنا لظاهرة الكراهية التي أخذت أبعاداً خطيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، نتساءل عن الحكمة من هذا التنوع الهائل بين البشر، وكيف يتعامل الإسلام كدين خاتم مع هذا الأمر، وهنا لا بد لنا من الرجوع للوحي الذي يُبيِّن لنا الفلسفة والحكمة التي أرادها رب العباد من هذا التنوع البشري في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[3].
إن التبادل الثقافي والتعارف بين الناس هو السبب والحكمة وراء خلق التنوع البشري، والتعارف يستبطن معرفة الآخر من خلال الاقتراب منه وسماع ما يعتقده أو يؤمن به، وبقدر ما نقترب من معرفة الآخر -من خلاله هو لا من خلال المختلف معه- نحقق قيمة الكرامة عبر مبدأ التسامح والتعايش، إذ الكرامة في أحد تجلياتها هو أن نعطي لكل شخص حرية التعبير عما يعتقده ويؤمن به، وعلى من يستمع له أن يُميِّز بين ما هو صائب وخاطئ، لا أن نفرض على الآخرين قناعاتنا، والتي قد تكون خاطئة، وما نشاهده اليوم من نمو ثقافة الكراهية بين المسلمين أحد أسبابه الكبرى هو السعي لفرض الرأي الواحد، سواء كان رأياً دينيًّا أو فكريًّا أو سياسيًّا.
وفي الحقيقة إن الكثير من الكيانات السياسية العربية بُنيت على أساس الفكر الآحادي الاتجاه، وترى أن بقاءها -كسلطات أو أحزاب ومنظمات حاكمة ومتسلطة- هو بقمع المختلف وإسكات صوته، ويعد هذا أحد أهم أسباب شيوع ثقافة الكراهية، فالشعوب المقهورة وإن سكت صوتها، إلا أن ذلك يؤدي إلى نمو حالة السخط والبغض للمستبد والظالم، وهو هنا الحاكم الذي يتربع على السلطة ويبذر ثروات الأمة على ملذاته أو أطماعه الشخصية، ويجعل الشعب رهينة لخبز شعيره اليومي، بل ويفرض عليه قبول الواقع وما يراه الحاكم من قناعات.
والأكثر خطراً بين الأنظمة المستبدة هو ذلك الذي يؤطر سلطته بالدين ويتستر بعباءة بعض رجاله ليرفض التنوع الاجتماعي والمذهبي في بقعة حكمه، ويسعى إلى فرض رؤية لمذهب واحد على الأمة ككل، بل ليجعل نفسه ومذهبه هو الدين ويُخرج أتباع المذاهب الفقهية الأخرى منه، وهنا لا بد للمنبر أن يخدم أهداف السلطة من خلال توصيف الآخرين المختلفين معه بأنهم زنادقة وفاجرين، ولعل ما يدفع على الاعتقاد بأن الكراهية هي سياسة للدولة المستبدة هو أن من يقوم ببث تلك الثقافة هم أشخاص موظفون في المؤسسة الدينية ويمارسون ذلك من مواقع رسمية.
وبالطبع إثارة الكراهية انطلاقاً من المذهب أو العرق أو اللغة أو القومية أو غيرها من المبررات يُشكِّل صداماً حادًّا مع سُنَّة الخالق في عباده، الذي خلقهم مختلفين بل وجعل الاختلاف بين الناس هو الأصل، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ[4].
وقال كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ[5].
ويقول المرجع المدرسي في تفسيره لهذه الآية كلاماً مهمًّا ينطلق من أحد رواد الصحوة الإسلامية ومنظريها: النظر إلى الدين باعتباره مادة للعصبيات العرقية والقومية، أو الجدليات الفارغة، أحد أسباب الخطأ في فهم الدين، وبالتالي الإيمان به. والقرآن يُصرِّح بأنه ليس ذاك الدين الذي يتخذ مادة للخلاف هو دين الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ والله هو الحاكم في عباده، وكثير من الخلافات المذهبية لا يمكن أن تحلها الجدليات، بل يجب أن تتحول إلى يوم القيامة وإلى الله والمستقبل ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ[6].
إننا ومن خلال نظرتنا وقراءتنا لواقع الأمة نُحذِّر من خطورة تبني ثقافة الكراهية أو التسويق لها عبر رفض الآخر، أو إقصائه، أو منع الناس من حرية التعبير عن آرائهم أو معتقداتهم الدينية، أو فرض مذهب معين على أي طائفة أو مذهب آخر. ومن الضروري أن نقترب ممن نختلف معه لنتعرف على رأيه بعيداً عن التحامل أو التشويه، وبعيداً عن المسبقات الفكرية؛ لأنها تُشكِّل حجاباً يمنع من الوصول للصائب من الآراء والأفكار.
إن ثقافة الكراهية في حال استمرارها وتبني السلطات المستبدة لها يمكن أن تُشعل حرب طوائف وقبائل يكون الجميع فيها خاسراً، وليس أمام الأمة بجميع أطيافها إلا أن تتبنى خيار التعايش والتعارف والتسامح، ولتحقيق هذا الخيار لا بد من جعله هدفاً استراتيجيًّا تُسَخِّر كل الطاقات والكفاءات الفكرية والمادية لتأسيسه كمشروع نهضوي لأمة تمتلك كل مقومات القدرة والتقدّم، ويمكننا أن نحقق ذلك من خلال الأمور التالية:
1- إقرار وثيقة للتعايش الطائفي بين طوائف الأمة.
2- سن قوانين تُجرّم المحرضين على الكراهية.
3- سن قوانين تُجرّم المساس برموز الطوائف.
4- تأسيس المناهج التربوية على فكر التسامح والتعايش، وذلك كفيل بأن يربي أجيالاً تفتقد لثقافة الكراهية.
5- فتح قنوات الحوار بين كل الطوائف وتكريس مفاهيم حرية التعبير عن الرأي.
6- بناء سياسات الدولة على محور إشراك جميع الطوائف في السلطة.
7- الاعتراف بالتنوع المعرفي والمذهبي ورفض إكراه الناس بمذهب الدولة.
8- إنهاء ممارسة التمييز من قبل الدولة لأن ذلك يُولِّد الشعور بالظلم، ومن ثم الكراهية تجاه الظالم، وهو ما يُفقِد الدولة شرعيتها، لأن الشرعية تقوم على رضا الشعوب بحكوماتها.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] القرآن الكريم، سورة الروم آية 22.
[2] راجع دارسة بعنوان التنوع البشري، على الرابط الالكتروني التالي:
http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/YOUN35.HTM
[3] القرآن الكريم، سورة الحجرات آية 13.
[4] القرآن الكريم، سورة هود آية 118.
[5] القرآن الكريم، سورة الأنعام آية 159.
[6] المدرسي، آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج 2 ص 459 ط الثانية دار الكتاب العربي.
---------------------
الشيخ زكريا داوود

الجمعة، 9 سبتمبر 2011

الشيعة والسنة بين الاختلاف والائتلاف




إضاءات: ولد الشيخ علي آل محسن في العشرين من صفر سنة 1375هـ ، وهاجر إلى مدينة قم المقدسة لطلب العلم فدرس المقدمات والسطوح على يد ثلة من الفضلاء، ثم قفل راجعاً إلى وطنه، وهاجر مرة ثانية إلى النجف الأشرف فتتلمذ على يد آية الله العظمى ميرزا علي الغروي قدس سره، واختص بالحضور فقها وأصولا على يد آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله، وقد أمره أستاذه الشيخ الفياض بالبدء بتدريس البحث الخارج، وله كتب مطبوعة، منها: (دليل المتحيرين في بيان الناجين)، و(كشف الحقائق في الرد على (هذه نصيحتي إلى كل شيعي)، و(مسائل خلافية حار فيها أهل السنة)، وكتاب (عبد الله بن سبأ، دراسة وتحليل)، وكتاب (لله وللحقيقة) في الرد على كتاب (لله ثم للتاريخ).
يسرني أن ألتقي بسماحة الشيخ علي آل محسن، وأجري معه هذا الحوار عبر صفحات مجلة (المواقف)..

1- يعتقد البعض أن الاختلاف في المذاهب في مجتمعٍ ما يعني استحالة التعايش وحتمية التنافر والقطيعة بين المسلمين بمختلف مذاهبهم، بينما الواقع أثبت أن المجتمع قد يتعايش وتسوده الألفة والتراحم والتواصل والوِحدة رغم تعدد المذاهب وربما الأديان في ظل المجتمع المدني كما هو الحال في التعايش والوئام الذي حصل بُعيد الحرب الأهلية في لبنان، .. ما رأي سماحتكم في ذلك؟

- لا ريب في أن التعايش بين المذاهب الإسلامية ضرورة ملحة في العصر الحاضر في ظل المتغيرات الدولية التي يعيشها المسلمون اليوم، بل هو واجب شرعي قبل أن يكون أمراً حياتياً ملحاًً، وقد حث الإسلام على حفظ حقوق كافة المسلمين ونهى عن التعدي على حرماتهم واستباحة أعراضهم، سواءاً أكان بالقول أم بالعمل، فكفل لكل من شهد الشهادتين صيانة دمه وعرضه وماله، وهذا هو الأساس الذي يتحقق به التعايش بين سائر الفئات المختلفة.

والاختلاف في الآراء والمذاهب والمعتقدات لا يخرج طوائف المسلمين عن الإسلام، ولا يهدر شيئا من حقوقهم التي فرضها الإسلام وأكد عليها.

ولا يعتنى بدعاة الفرقة والتكفير الذين يقتاتون على بث الفرقة والاختلاف بين فئات الأمة، والذين لا همَّ لهم إلا تكفير باقي المسلمين، فإنهم لم يفهموا تعاليم الإسلام السمحة بصورتها المشرقة، وإنما أخذوا الإسلام قشوراً خاوية، وتركوا اللباب الذين أمرنا الله بالتمسك به والسير على نهجه.

ومن يتأمل حوادث التاريخ يجد أن جميع فئات المسلمين قد تعايشت فيما بينها عبر العصور المختلفة في ظل مجتمع واحد، وأما بعض الحوادث القليلة التي أثارها بعض دعاة الفرقة في تلك العصور، فإنها لا تخرم هذه الحقيقة، لأنها حوادث فردية نادرة لا يعتنى بها.

2- برأيك ما هي أهم السبل التي ينبغي أن يسلكها أبناء المجتمع في تفعيل أنشطة التلاقي والتآلف بين المختلفين في المذاهب الإسلامية، وبالخصوص بين فئتي الشيعة والسنة، خصوصاً ونحن كأمة إسلامية نمرّ بظروف عصيبة في الوقت الراهن؟

- ينبغي على كل طوائف الأمة ملاحظة أمور:
• إيقاف الحملات التكفيرية تجاه بعضهم البعض، واستبدالها ببث الآراء الصحيحة التي نادى بها الإسلام، والتي تؤلف بين المسلمين وتحث على التآلف فيما بينهم وحفظ حقوقهم.
• العمل معا على تفعيل التقريب بين أبناء المذهب الشيعي والسني، بإنشاء مؤسسات دينية مشتركة تعمل على توطيد روح التآلف بين الفئات.
• تعريف أهل السنة بحقيقة مذهب الشيعة وتعريف الشيعة بحقيقة مذهب أهل السنة، والغض عن ما فيهما من الجوانب التي قد تثيرالخلاف بينهم.
• أن يحاول أهل السنة فهم حقيقة مذهبهم بصورته الصحيحة، فإنه لا يحث على تكفير أحد من أهل القبلة، وعلى الشيعة أن يفهموا تعاليم أهل البيت عليهم السلام في معاشرة أهل السنة بالمودة والمحبة والألفة، فإن فهم تعاليم المذهبين يمنع كثيرا من التجاوزات التي قد تحصل من بعضهم تجاه الطرف الآخر.
• كسر الحواجز الاجتماعية والنفسية بين أبناء الطائفتين، والعمل معا على مشاركة أبناء الطائفتين لبعضهم البعض في أفراحهم وأتراحهم وكل ما يهمهم من أمور الدين والدنيا.


3- ظهرت في الآونة الأخيرة عدة برامج حوارية بثتها بعض الفضائيات وتناولت هذه البرامج الاختلافات بين الشيعة والسنة، وقد أيدها البعض، واعترض عليها البعض، وتحفظ عليها البعض الآخر.. وبرأيك هل من الصحة بمكان أن يتم بث هذه البرامج رغم عدم نضج تنظيمها وإدارتها، وكذلك عدم انطلاقها من مؤسسة إسلامية رسمية، خصوصاً أن إثارة هذه الخلافات قد يسبب نوعاً من ردة الفعل لدى كل طرف تجاه الطرف الآخر فيما إذا كانت هذه الحوارات لا ترتكز على أسس الحوار وشروطه حسب المتعارف عليه علمياً وأكاديمياً؟

- رأيي أنها برامج غير هادفة وحوارات غير نافعة، بل مضرتها أكثر من نفعها، لأن هذه الحوارات قد فقدت أهم المقومات التي ينبغي أن تتوفر فيها، فصارت شجاراً ونزاعاً لا حواراً ومناظرة.

ومثل هذه الحوارات ينبغي أن تنطلق من مؤسسة إسلامية رسمية مسؤولة، تتحمل مسؤولية هذه الحوارات وتتكفل بالإعداد لها بالصورة الصحيحة وتغطية كافة نفقاتها، وألا تكون الغاية منها تحصيل مكاسب مادية أو معنوية، وأن تختار المحاورين الأكفاء الذين يحملون فكراً ناضجاً يستفيد منه المسلمون، وأن تستبعد دعاة التفريق والتكفير، وأن تكون إدارة هذه الحوارات منوطة بلجنة علمية محايدة منصفة متخصصة في الخلافات المذهبية.

وينبغي أن تكون مواضيع الحوار هادفة تصب في مصلحة المسلمين، من أجل جمع الكلمة وتعريف كل طائفة بمبادئ الفرقة الأخرى، من دون أن تكون سبباً من أسباب التفريق، أو يراد بها التشهير أو التشنيع بإحدى الطائفتين، أو محاكمة الشيعة في معتقداتهم.

ويجب أن يُمنع أي محاور من أن يتفوه بأي عبارة تجريح أو إهانة أو تكفير أو تفسيق للطرف الآخر، أو يقاطع المحاور الآخر قبل أن يكمل كلامه، أو يخرج عن موضوع الحوار إلى نقاط هامشية أخرى، أو يدلس أو يكذب في كلامه، أو يرسل الاتهامات من غير إسناد، أو يفتري على الطرف الآخر أو طائفته من غير إثبات، أو غير ذلك مما لا ينبغي حصوله في حوارات هادفة يشاهدها الملايين من الناس.

فإذا توفرت هذه الأمور كانت هذه الحوارات نافعة، وإلا فهي نزاعات ينبغي سد بابها والعمل على الحيلولة دون حصولها، لأنها ستكون بالنتيجة بذرة للشقاق والنزاع الذي لا تحمد عقباه.

4- لعلماء الإمامية رأيهم السديد في موضوع الوحدة الإسلامية ونبذ بؤر الاختلاف وتوسيع رقعة التواصل بين المسلمين في كل مكان وعلى مختلف مذاهبهم هدفاً لمواجهة أعداء الإسلام والأمة الإسلامية الذين تجسدوا في الاستكبار العالمي أو من يسمون أنفسهم قادة العالم.. من خلال اطِّلاع سماحتكم على هذا الموضوع بحكم متابعاتك الفقهية، هلاّ لخصت لنا آراء المراجع المعاصرين بهذا الخصوص.

- إن آراء علماء الشيعة الإمامية كافة في هذا المجال ـ تبعاً لأئمة أهل البيت عليهم السلام ـ معروفة وواضحة، ولقد كان علماؤنا الأفذاذ وما يزالون يحثون علماء أهل السنة على تفعيل الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة، والعمل معاً على تجاوز تلك الخلافات التي يقتات عليها دعاة الفرقة والتكفير.

ولقد حث أئمة أهل البيت عليهم السلام على توطيد العلائق بين شيعتهم وأهل السنة بصورة قوية، ففي صحيحة معاوية بن وهب، قال: قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟ قال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون كما يصنعون، فوالله إنهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الأمانة إليهم. (كتاب الكافي 2/636).

وفي صحيحة زيد الشحام، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام : اقرأ على من ترى أنه يطيعني ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله عزَّ وجل، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله ، أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برًّا أو فاجراً، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدَّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: (هذا جعفري). فيسرُّني ذلك، ويدخل عليَّ منه السرور، وقيل: هذا أدَبُ جعفر. وإذا كان على غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعاره، وقيل: هذا أدَبُ جعفر. فوالله لَحدَّثني أبي عليه السلام أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها، آداهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرةَ عنه، فتقول: مَن مثل فلان؟ إنه لآدانا للأمانة، وأصدقنا للحديث. (المصدر السابق).

وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أوصيكم بتقوى الله عزَّ وجل، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلّوا، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾، ثم قال: عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصَلُّوا معهم في مساجدهم... (كتاب المحاسن للبرقي، ص 18. وسائل الشيعة 5/382).

وهذه الأحاديث وغيرها هي التي جعلت علماء الشيعة قديما وحديثاً ينادون بالتقريب والوحدة مع أهل السنة حذراً من الوقوع في النزاعات الطائفية والعنف المذهبي الذي تكون عواقبه وخيمة على المسلمين كافة.

5- وأيضاً لفقهاء الإمامية آراء سديدة في موضوع العنف والتعصب الديني، وهذه الآراء تنطلق من تعاليم الدين الإسلامي المستقاة من القرآن الكريم وسنة رسول الله وأئمة أهل البيت .. حيث يضمن الإسلام لجميع البشر حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم كما يضمن ذلك لجميع المسلمين بمختلف مذاهبهم.. ما تعليق سماحتكم على ذلك؟

- ما قلتموه صحيح وسديد، فإن الإسلام لا عنف فيه، بل هو دين الرحمة والسلام، ولا يحق لمسلم أن يتجرأ على دم أو مال أو عرض إلا ضمن الضوابط الشرعية، بل لا يجوز للمسلم أن يقتل حتى مستحق القتل إلا بأمر الحاكم الشرعي وبحكمه، وإن كان ولي المقتول، فما بالك بغيره؟!

ولهذا لا تجد في سيرة النبي صلى الله عليه وآله أنه استباح بلداً افتتحه، ولا تجد أي خبر يشير إلى أنه صلى الله عليه وآله أهدر الدماء بالجملة، أو أنه أباح أموال وأعراض من حاربوه، وما جرى في فتح مكة معلوم في التاريخ ، فإنه صلى الله عليه وآله أمر علياً عليه السلام أن ينادي في الناس: ( اليوم يوم المرحمة ، اليوم تؤوى الحُرَمة). وأمر مناديه أن ينادي: (من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن).

وقد أمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جيشه لما توجه للبصرة بألا يقتلوا امرأة أو طفلا أو شيخا كبيرا، ولا يهدموا داراً، ولا يقطعوا شجرة، ولا يلحقوا النساء بأذى وإن شتموا أعراضهم وسبوا أمراءهم.

وإذا كان الإسلام قد كفل حقوق أهل الذمة من اليهود والنصارى الذين يعيشون في بلاد المسلمين فمن باب أولى يكفل حقوق المسلمين أنفسهم بشتى طوائفهم ومذاهبهم، وهذا واضح معلوم.

وكل ما يصدر من جهلة المسلمين من التعصب الطائفي والعنف المذهبي كله ناشئ من الجهل بتعاليم الإسلام واتباع تسويلات الشيطان .

6- للحوار الفكري والعقائدي آدابه وأخلاقه وقد فصَّل فقهاء الإمامية في هذا الموضوع، حبذا لو لخّص لنا سماحة الشيخ أهم هذه الآداب التي ينبغي أن تتوفر في أشخاص المتحاورين للتوصل إلى الحقائق الفكرية والعلمية وفقاً للشروط المتفق عليها بحيث لا تشط هذه الحوارات وتسبب النزاعات الشخصية وإساءة الأدب.

- أذكر لك بعض ما ذكره الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره في كتاب (المنطق) في صناعة الجدل ، في مبحث آداب المناظرة باختصار وتصرف منا.

فإنه قدس سره ذكر أنه ينبغي لمن يتعاطى المناظرة أن يتحلى بعدة آداب مختلفة، منها:

• أن يتجنب عبارات الشتم واللعن، والسخرية والاستهزاء ونحو ذلك مما يثيرعواطف الغير، ويوقظ الحقد والشحناء، فإن هذا يفسد الغرض من الحوار التي يجب أن يكون بالتي هي أحسن.

• ألا يرفع صوته فوق المألوف المتعارف، فإن هذا لا يكسبه إلا ضعفاً، ولا يكون إلا دليلاً على الشعور بالمغلوبية...

• أن يتواضع في خطاب خصمه، ويتجنب عبارات الكبرياء والتعاظم والكلمات النابية القبيحة.

• أن يصغي إلى خصمه إصغاء كاملاً، ولا يبدأ بالكلام إلا من حيث ينتهي خصمه من بيان مقصوده، فإن الاستباق إلى الكلام سؤالاً وجواباً قبل أن يتم خصمه كلامه يربك على الطرفين سير المحاورة، ويعقّد البحث من جهة، ويثير غضب الخصم من جهة أخرى.

• أن يتجنب حد الإمكان محاورة طالب الرياء والسمعة، ومؤثر الغلبة والعناد، ومدعي القوة والعظمة، فإن هذا المحاور يعديه بمرضه، فينساق بالأخير مقهورا إلى أن يكون شبيها به في هذا المرض، ومن جهة أخرى لا يستطيع مع هذا الشخص أن يتوصل إلى نتيجة مرضية في المحاورة.

• أن يكون هم كل محاور هو الوصول للحق وإيثار الإنصاف، وأن ينصف خصومه من نفسه، وأن يتجنب العناد والإصرار على الخطأ، فإنه خطأ ثان، بل ينبغي أن يعلن ذلك، ويطلبه من خصمه بإلحاح، حتى لا يشذ الطرفان عن قبول الحق والعدل والإنصاف.

7- عندما نتحدث عن المتعصبين دينياً أو المتشددين تجاه الطرف الآخر.. هناك في المقابل من يتفهمون لغيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى، وعلى سبيل المثال هناك في مجتمعاتنا من الشيعة من يتعايشون مع إخوانهم أهل السنة ويتواصلون فيما بينهم، ويحترم كل منهم مذهب الآخر، ما هو تعليقك على هذه الظاهرة الحسنة في مجتمعاتنا؟

- لا ريب في أن التعايش السلمي بين المذاهب الإسلامية هو ضرورة حياتية كما قلنا فيما تقدم قبل أن يكون واجباً شرعياً، وهذه الشريحة التي أشرتم إليها لا أشك في أنها شريحة واعية ومثقفة، وأنها فهمت الإسلام من هذه الناحية بصورته الصحيحة، وعرفت حقوق المسلمين الآخرين، وطبقت ذلك عملياً، وهذا هو السلوك الذي ينبغي أن يسود كل مجتمعاتنا الإسلامية التي ضمت مذاهب مختلفة وعرقيات متعددة، ليكون كل تصرف مغاير له ظاهرةً شاذة في المجتمع لا تجد لها صدى بين الناس، ولا تلقى إلا الرفض والرد.

8- يُلاحظ في مجتمعاتنا ببعض دول الخليج أن هناك كثيراً من الكتب التي يؤلفها بعض الكتاب والمشايخ من إخواننا أهل السنة، وفيها الكثير من القدح في التشيع والشيعة، وعندما يريد أي عالم شيعي الرد على هذه الكتب لا يحصل على حق الرد، ولا يحصل على حق الطباعة والنشر لهذه الردود في الداخل.. ما رأي سماحتكم في ذلك؟

- لقد عانى الشيعة على مر العصور من الإرهاب الفكري، وقد ابتدأ هذا واضحاً منذ بداية الدولة الأموية واستمر إلى يومنا هذا، وما ذكرتموه ما هو إلا موروثات من السابقين، وكثير من الحكومات تحاول أن تطمس الهوية الشيعية في بلادها بشتى الوسائل، وتحاول جهدها ألا يظهر للشيعة صوت في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

ونحن في الوقت الذي نرى أن الشيعة لا يعطون في وسائل الإعلام أية فرصة لإبداء معتقداتهم وإبراز هويتهم، نجد أن وسائل الإعلام قد فتحت أبوابها على مصاريعها لدعاة الفرقة والاختلاف الذين لا هم لهم إلا الطعن في الشيعة بالباطل.

ومع أنا لا نطمع أن يُعطى الشيعة فرصة في الرد على ما يكتبه علماء وكتاب من أهل السنة في التشنيع على الشيعة ونقد معتقداتهم، ولا نتوقع أن يفسح المجال للشيعة للتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم في وسائل الإعلام المختلفة، إلا أن المسألة تجاوزت هذا الحد بكثير، فصار الكتاب الشيعي يعاني من حصار شديد في بلاد كثيرة، فأدرج في قائمة الممنوعات التي يعاقب عليها القانون، فلا يكاد يصل إلى القارئ إلا بطرق يعتبرونها غير قانونية.

وكل هذا في واقعه راجع إلى الاستخفاف بالمبادئ الإنسانية وبأبسط القيم التي ينبغي أن تكفل للإنسان مهما كان معتقده ومبدأه، وكما قلنا فإن هذا في حقيقته مما ورثه الخلف من السلف من الحجر على العقول والأفكار والآراء المخالفة، فإنا نحتاج إلى مئات السنين من التوعية المتواصلة والجادة حتى يمكن لبعض الأطراف أن تتقبل الرأي الآخر.

ونحن من هذا المنبر المبارك ندعو كل صاحب مسؤولية أن يعيد النظر في مثل هذه الإجراءات الجائرة، وأن يعمل على إعطاء الشيعة أبسط حقوقهم على الأقل كمواطنين، ومن ضمنها السماح للكتاب الشيعي بأن يجتاز الحدود من غير موانع وعراقيل.


9- الفقه المقارن لدى الأوساط الدينية والحوزات العلمية له مكانة كبيرة وقد أُلِّفت فيه عدة مؤلفات منها (الفقه على المذاهب الخمسة) للشيخ محمد جواد مغنية، وغيرها من المؤلفات ، وقد التزم علماء الإمامية عملية الطرح واحترام المذاهب الأخرى في مقارنة المسائل الفقهية ببعضها البعض من حيث عرض المسائل والاستدلالات المبنية عليها هذه المسائل، ألا ترى يا سماحة الشيخ أن علماء الشيعة على مر الأزمان كانوا يلتزمون بهذا الأدب وهذه الروح الخلاقة في احترام الأطراف الأخرى، بينما نرى أن الطرف الآخر لا يلتزم بهذه الروح بحيث يكيل للشيعة والتشيع الكثير من التهم والافتراءات دون أي تحقق أو استدلال وربما بعضهم يصدر فتاوى ضد الشيعة رغم استناده على إشاعات مغرضة ما أنزل الله بها من سلطان.. ما رأي سماحتكم؟

- لا ريب في صحة ما قلتموه، فإن علماء الإمامية ألفوا كتبا كثيرة في الفقه المقارن منذ عصور متقدمة وسبقوا غيرهم في هذا المجال، ومن تلك الكتب (كتاب الخلاف) لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ) قدس سره، وكتاب (تذكرة الفقهاء) للحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي (648-726هـ) وغيرهما.

بينما لا نجد مثل هذا المسلك في كتابات علماء أهل السنة لا قديماً ولا حديثاً، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى عدم اطلاعهم على آراء الشيعة الإمامية، بسبب الحجر الذي كان معمولا به على كتب الشيعة وآرائهم. أو لعله بسبب تجاهل علماء السنة لآراء الشيعة وعدم الاعتناء بهم، أو لعله خوفا من الولاة والحكام الذين لا يريدون للشيعة أن يظهر لهم صوت، أو لعله بسبب عدم رغبتهم في مقارنة آرائهم بآراء الشيعة التي يمكن أن يستنتج منها صواب آراء الشيعة دون آرائهم، أو لأمور أخرى لا نعلمها.


10- ما رأي فقهاء الإمامية حول تكليف المسلمين من الشيعة لمواجهة هذا المد المضاد من قبل بعض مشايخ وعلماء المذاهب الأخرى عندما يقدحون في الشيعة والتشيع بوصفهم أنهم من أهل البدع والضلالة وبعضهم لا يعترف أن الشيعة من المسلمين ويصفهم بالكفار، مع ملاحظة أن الكثير من المجتمعات الشيعية تعيش جنباً إلى جنب مع إخوانهم أهل السنة كما هو الحال في دول الخليج؟

- يمكن أن نلخص الموقف الصحيح من أمثال هذه الحملات الإعلامية الجائرة على الشيعة في أمور:
• عدم الاعتناء بأمثال هذه الكتب والنشرات والأشرطة وغيرها، وعدم تداولها والاعتناء بتكثيرها، فإن فعل ذلك يحقق غرض أصحاب تلك الأباطيل من ترويجها ونشرها.

• قراءة ما كتبه علماؤنا الأعلام من الردود على شبهات وافتراءات الخصوم، فإن كل ما يكتب ما هو إلا اجترار لشبهات معروفة وتكرار لها بأسلوب مختلف.

• قراءة ما كتبه علماؤنا الأعلام في بيان عقيدة الشيعة الإمامية ونقد مذاهب الخصوم، فإن ذلك يزيد المؤمن قناعة بصحة مذهبه وبطلان ما عداه.

• الرد على ما له شأن من تلك الكتب والنشرات والأشرطة حتى لا يقع العوام في شبهات هؤلاء المضللين.

• بث روح التآلف والأخوة بين المسلمين وبيان أن هذه الحملات تصرفات مشبوهة ومغرضة ولا تصب بأي حال في مصلحة الإسلام والمسلمين.


11- ما رأي سماحتكم فيمن ينظر إلى واقع الخلاف بين الشيعة والسنة على أنه حتمية تاريخية لا يمكن تغييرها، ألا تعتقد أن هذا فيه نوع من الإيمان في الجبر وأنه لا يمكن للمسلمين أن يغيروا حالهم إلى أحسن حال؟

- لا شك في إمكان تغيير واقع المسلمين اليوم إلى ما هو أحسن من السابق، كما أن حالهم سابقاً كان أسوأ منه اليوم وقد تبدل إلى الأحسن، وقد كان الشيعة بالخصوص في العصور المظلمة في تقية شديدة واضطهاد عظيم، وكان سلاطين الجور يتعقبونهم تحت كل حجر ومدر، ولكن هذه الحالة قد انقضت وتلاشت بحمد الله ونعمته.

فمع تضافر الجهود الخيرة من قبل العلماء الداعين إلى الوحدة والتقريب بين المذاهب ومع توفر الإخلاص في العمل الجاد الذي يصب في مصلحة المسلمين، فإن الواقع السيِّئ لا بد يتغير إلى ما هو أحسن.

نسأل الله سبحانه أن يلهم حكام المسلمين والدعاة والوعاظ أن يعملوا على جمع كلمة المسلمين على رضاه، إنه قريب مجيب.


12- ألست معي يا سماحة الشيخ أن أيادي خفية تعمل على بث روح الخلافات بين المسلمين لإضعافهم ومن ثم تسهيل السيطرة عليهم من باب (فرِّق تسد)، ما رأي سماحتكم؟

- لا نستبعد وجود أيادي خفية تعمل في الظلام للتفريق بين المسلمين، ولا نستبعد أن يكون دعاة الفرقة يقتاتون على ذلك، ولكن لا نغفل أيضاً حالة الجهل الموروث الموجودة عن بعض الدعاة للفرقة ممن يظنون أنهم يحسنون صنعا بهذه الدعوات المغرضة.


13- البعض يعول على ظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه لتغيير حال الأمة والانتصار على أعداء الإسلام والمسلمين، دون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء العمل والسعي الدؤوب للتغيير إلى الأفضل، ما رأيكم في ذلك؟

- هذا خلط بين ما نعتقده من أن عملية التغيير الشاملة للعالم كله وإصلاحه وتطهيره من الظلم والفساد ونشر القسط والعدل في كافة أرجائه، ستكون بجهود وجهاد الإمام المنتظر عليه السلام، وبين الوظيفة الفعلية لنا كمكلفين توجهت إلينا واجبات مختلفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن إرشاد الجهال والدعوة إلى الله سبحانه، فإن ذلك الاعتقاد لا يلغي هذه الوظيفة، ولا يجوِّز لنا تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتخلي عن الدعوة والإرشاد المنوطين بعلماء الأمة، ولئن كانت عملية التغيير الشاملة لا تتم بجهودنا المحدودة إلا أن لجهدنا دوراً مهماً في التغيير الجزئي لا ينبغي إغفاله أو الاستهانة به.

وعليه فيجب على كل المكلفين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر بشروطهما المعروفة في كتب العلماء، كما يجب على العلماء والخطباء والدعاة أن يقوموا بواجب التوعية الدينية في شتي مجالاتها، فإن الله سبحانه وتعالى ما أمر الناس بسؤال العلماء في أمور دينهم ودنياهم إلا بعد أن أوجب على العلماء أن يجيبوا على مسائلهم.


14- من خلال كتاباتك العقائدية، برأيك كيف يمكن للعالم الشيعي أن يقنع الطرف الآخر بصحة منهجه العقائدي؟ وكذلك العالم السني كيف يمكنه أن يقنع الطرف الآخر بصحة منهجه العقائدي؟ رغم أن المدرستين الفكريتين مختلفتان في قواعدهما العلمية والفكرية؟

- لقد دأب كل فريق على أن ينافح عن مذهبه ويدافع عنه، ويحاول إبطال مذهب خصمه بما استطاع من حول وقوة، والواجب على الكتَّاب والعلماء الذين يكتبون في المجال العقائدي والمسائل المذهبية الخلافية أن يكتبوا ما يثبتون به مذهبهم وعقائدهم بالأدلة الصحيحة المستقاة من الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يبرزوا مذهبهم وعقائدهم بصورتها الواقعية.

ومن كانت كتابته موضوعية، وأدلته صحيحة فهو المحق الذي يجب على الطرف الآخر أن يسلم له بما يقوله، بغض النظر عن الموروثات التي ينبغي تمحيصها وإعادة النظر في صحتها أو بطلانها.

وعلى العالم أن يكتب ما يراه حقا، وأما عملية الاهتداء فهي ليست منوطة به، بل هي تكليف غيره ممن اطلع على كتابه.

وهناك كتب مشهورة كتبها بعض علماء الشيعة الأفذاذ في هذا المجال، وقد أعطت ثمارها النافعة في هداية كثير من الناس الذين اقتنعوا بعد قراءتها بصحة مذهب الشيعة الإمامية، ككتاب (المراجعات) الذي كتبه العالم الرباني السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره، وغيره من الكتب التي لا تخفى على من تتبعها.

إلا أني بعد التتبع الكثير لم أجد كتابا واحدا كتب بموضوعية في إثبات مذهب أهل السنة، ولهذا لا تجد كتابا عند أهل السنة له شهرة كتاب المراجعات عند الشيعة.


15- وبمعنى آخر.. كيف يمكن لهاتين المدرستين الفكريتين أن يلتقيا في جامع مشترك يؤسسان من خلاله قناعات مشتركة تُبنى عليها الأجيال الجديدة منعا للتنافر الذي قد يؤدي إلى التعصب الأعمى والعنف وربما الإرهاب، وبرأيك ما هو الدور الذي ينبغي أن تقوم به منطمة العالم الإسلامي بهذا الصدد، وهي تعتبر مؤسسة رسمية تساهم فيها حكومات الدول الإسلامية؟

- إن القواسم المشتركة بين الشيعة وأهل السنة كثيرة جداً، فهم مسلمون موحدون يعبدون الله سبحانه وحده، فيصلون خمس صلوات في اليوم والليلة، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويصومون شهر رمضان، ويزكون، ويتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعتقدون بنبي واحد وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبكتاب واحد، وهو القرآن الكريم، وغير ذلك مما هو معروف ومشهور.

وهذه القواسم المشتركة كافية في تحقيق التآلف فيما بينهم وإنعاش روح المحبة والمودة في نفوسهم، لأن المسلمين إذا أمكنهم أن يتعايشوا مع أصحاب الأديان الأخرى فمن باب أولى يمكنهم أن يتعايشوا مع بعضهم رغم اختلاف طوائفهم، لأنهم تجمعهم كما قلنا قواسم مشتركة كثيرة ووحدة هدف ومصير؟!
----------------------------------
أعد هذا الحوار: الكاتب الأستاذ عقيل بن ناجي المسكين