الاثنين، 29 أغسطس 2011

هموم وقضايا الوحدة الإسلامية


نص المحاضرة التي ألقاها سمــاحــــة العـلامـــــة السيِّـــد محمَّــــــد حسيــن فضـل اللّـــه بعنــــــوان هموم وقضايا الوحدة الإسلامية يوم الاثنين 19كانون أول 1983، الموافق 15 ربيع أول 1404 هـ في الجامعة اللبنانية كلية الحقوق "الفرع الأول".
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد وعلى آله الطيبين وصحبه المنتجبين، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
إنَّ الكلام، في هذه المرحلة، لمسؤولية كبيرة، ولاسيما عندما يكون في محراب من محاريب الفكر والعلم. وإنَّها لمسؤولية، أيضاً، أن تتحدث وأنت مأخوذ باحترام النّاس في ما تفكر وتقدّم وتقول. فثمة فرقٌ بين الكلام الاستهلاكي والكلام الذي يُراد له أن يكون مثمراً ومنتجاً؛ فالأول عماده توظيف واستثمار كلّ ما في الساحة من أجواء عاطفية وانفعالية ليثير الحماس والتصفيق، من دون تحقيق أي هدفٍ من وراء ذلك، أمّا الثاني، فإنَّه لا يقتضي مخاطبة عيون النّاس وهي تلمع مشدودةً إلى شعاراتك، بل مخاطبة أفكارهم وهي تتأمل مشدودة إلى فكرك.
لقد أصبحنا، وللأسف، في كلّ ما نستهلك من حديث، مجترّين مستهلكين، لا نفكر بقضايانا بعمق وواقعية، وعلى نحو منتج ومثمر وفعّال. لذا نحن مدعوون، ومن وحي دقة هذا الواقع، إلى أن نجدد في الوسائل والأهداف، وأن نتعمق في فهم واقعنا جيداً، ليلهمنا هذا الوعي إبداعاً وحيوية.
الوحدة الإسلامية : هموم وقضايا
لماذا كلّ هذه الهموم حول الوحدة؟ وهل تستحق أن تكون الوحدة همّاً لنا؟ إنَّ أيّ همٍّ، إنَّما ينشأ من خلال اهتزاز الواقع وتزلزله بفعل السلبيات الكبيرة التي تخترقه، ما يودّي إلى أن نعيش ما يشبه حالة طورائ تستدعي استنفار كلّ مشاعرنا وأحاسيسنا لمواجهة الأخطار الناشئة من هذه السلبيات، والتي تهدد الواقع كلّه بالافتراس.
ونحن عندما نعيش همّ الوحدة، لا نعيشه همّاً يتمركز حول قضيّة دون أخرى، وإنَّما نعيشه هماً إنسانياً بامتياز، همّاً يتناول قضية الإنسان في الصميم، لأنَّ هناك انفصاماً في داخل الإنسان نفسه، يمزّقه إلى شخصيات غير متمازجة ومتفاعلة، بحيث يتحرك اليوم في هذا الاتجاه وغداً في اتجاه آخر. ولعلّ السبب في ذلك، هو أنَّ إنساننا لـم يحاول تركيز قناعاته على أساس واحد، وإنَّما كانت قناعاته هي عبارة عن شتات أفكار تجمدت في زوايا الفكر من دون أن يتركها تتفاعل، بل كانت تتصارع لتمزِّق شخصيته من الداخل قبل أن تمزق شخصيات الآخرين في ساحات الصراع الخارجية.
الإنسان الوحدوي أولاً:
إنَّنا عندما نتحدث عن الوحدة، أية وحدة كانت، هل يكفي أن ندرس القواسم المشتركة لنقول للنّاس، تعالوا لنلتقي عليها، أو ندرس الخلافات لنقول للنّاس تعالوا نتحاور عليها؟! لا يكفي ذلك. فالقضية ليست قضية مشاريع الوحدة، سواء كانت مشاريع فكرية أو عملية، ولكنَّها قضية الإنسان. لذا لا بُدَّ لنا من أن نسعى لإقامة الإنسان الوحدوي، الذي يعيش الوحدة فكراً وشعوراً، وتطلعات مستقبلية في إطار الواقع.
إنَّ هنالك الكثير ممّن يعيشون الوحدة فكراً ويخططون لها، لكنّهم فشلوا في تحقيقها، فالنهوض بوحدة الإنسان هو الشرط الموضوعي لنجاح أي مشروع وحدوي مهما كانت طبيعته، المهم أن يكون الإنسان واحداً في ذاته وفكره ومشاعره وتطلعاته وآماله وأحلامه، وأن يكون مؤمناً بالوحدة وعاملاً لها، وإلاَّ فإنَّ الفشل يكون حتمياً، مهما كانت المشاريع كبيرة، ومهما كانت الخطط شاملة، لأنَّهم أهملوا البنية التحتية لإنجاح أي مشروع وحدوي، ألا وهي إقامة الإنسان الوحدوي.
ولهذا عندما انطلقت المشاريع الوحدوية، كان هذا الإنسان يسعى للبحث عن نقاط الخلاف هنا وهناك، وبذلك تحولت المشاريع الوحدوية إلى فرصة لإثارة بذور الخلاف أو لتعقيد الخلافات السابقة.
إنّ القضية هي أن نفكر في الإنسان عندنا، وفي طريقة التفكير لديه. وهنا، نطرح سؤالاً لنقترب من الصورة أكثر في فهم الشخصية الموجودة:
لماذا يتم التركيز كثيراً على مواطن الخلاف عندما يلتقي إنسان بأي إنسان آخر ممن يختلف معه، سواء على مستوى الفكر الديني أو السياسي أو أي فكر آخر؟ لماذا يحاول رأساً أن يتمايز عنه، فيخاطبه من موقع هذا التمايز، ومن موقع الاختلاف والتباين معه، لا من الموقع المعاكس؟
إنَّ التمايز قد يكون أمراً مبرراً عندما نريد تأكيد تمايز شخصياتنا، سواء على الصعيد الفكري أو سواه، ولكن هذا التمايز يكون غير مبرر عندما نريد الانطلاق مع الآخرين لنركز قواعد مشتركة لحلّ الخلافات.
إنّنا نعيد السؤال مرة أخرى: لماذا نركز منذ البداية على أن لا قاعدة مشتركة فيما بيننا، وأنَّ الخلاف هو الذي يحسم الأمر؟
قد يكون الأمر لأنَّنا تربينا وتعلمنا، وغُرس في فكرنا العملي، الوقوف عند الجزئيات وهجر الكليات التي تؤمّن الحد المشترك، ولأنَّنا تعوّدنا ملاحقة الزوايا والهروب من الساحة الكبيرة، حتى انهمك فكرنا واستغرق في الزوايا الضيقة. إنَّه الإلحاح على الخصوصية والذاتية بعيداً عن الشأن العام والجو العام. هذا هو الذي يطبع إنساننا اليوم، كما يتمثل في ما نعيش ونواجه من قضايا في الأمور المصيرية من حياة الأمة.
إنَّ ما نريد قوله هنا، هو أنَّه يجب علينا قبل البحث في مشاريع الوحدة، أن نبحث في طريقة تفكير هذا الإنسان في مواجهة القضايا التي يعيش حولها الصراع أو الخلاف. فلا نزال في الممارسة، حتى في القضايا الفكرية، نتعاطى مع بعضنا بعضاً بعقلية اللاعبين الذين يسعون إلى تسجيل نقاط على بعضهم البعض، موحين بأنَّ هذا الافتراق قابل للتبرير والعذر.
إنَّ الإنسان الذي يعيش الوحدة هو الذي يحترم خصوصية صاحبه، كما يريد من صاحبه أن يحترم خصوصيته. عندما تكون وحدوياً، فإنَّ عليك أن تفتح المجال لتحمي حرية صاحبك بأن يقول ما يشاء، تحميه من كلّ عواطفك وانفعالاتك، وتقاتل في سبيل حريته، لأنَّ الآخر إذا استطاع أن يأخذ حريته في أن يعبّر عن فكره بصراحة، فمعنى ذلك أنَّك تستطيع مناقشة آرائه، كما يستطيع هو مناقشة آرائك، لا أن تحجب حريته عنه ويحجب حريته عنك، وبعد ذلك تختبئان في زاوية المجاملة، وتنتهي القضية بنقطة مقابل نقطة، أو أكثر من ذلك، ويتفرق بعدها المتفرجون، ويرجع كلّ لاعب إلى مكانه.
إذاً لا بُدَّ من الإشارة إلى الأمور بوضوح ـ وأنا هنا لا أتكلم كواعظ، بل أقولها من أجل أن نشير إلى الجوانب العميقة في بناء شخصيتنا ـ فنحن لا نعيش الوحدوية روحيةً وفكراً وأسلوب حياة...
فكّروا في الإنسان الذي يعيش روح الوحدة، الإنسان الذي يفكر بموضوعية، والذي يتحدث من موقع الفكر لا من موقع الانفعال العاطفي، عند ذلك، يمكن لنا أن لا نخاف من تلك الجهات التي تحاول أن تلعب لعبتها في واقعنا، مستغلّة الكثير من الثغرات والانقسامات.
إنَّنا نتحدث دائماً عن الاستعمار والصهيونية، وأنّهما السبب في تفريقنا وتمزّقنا، ولكن من الذي أعطى الاستعمار فرصةً ليلعب؟ ومن الذي أعطى الصهيونية الفرصة لتمزق؟
إنَّها شخصيتنا تلك التي تعلّبت في إطارها بعيداً عن الهواء الطلق حيث تتفتح وتتلاقى.
لهذا لا بُدَّ لنا ـ ولاسيما في الوسط الجامعي ـ من أن نتعلم كيف نؤسّس حوارنا وتفكيرنا على أسس موضوعية وعقلانية، وأن نحترم حرية بعضنا بعضاً، لأنَّ الحرية لا يخافها الواثقون من سلامة فكرهم وقوته. إنَّ الذين يخافون من الحرية هم أولئك الذين يشعرون بضعف في الفكر والشخصية، ويسعون إلى أن يخفوا ضعفهم بكلّ ما لديهم من وسائل، لإلحاق الهزيمة بشخصية الإنسان الآخر بدلاً من أن يهزموا فكره.
ولعلّنا نستوحي هذا من دعاء يقرأه المؤمنون في ليالي الجمعة في فقرة تقول: "وقد علمت أنَّه ليس في حكمك ظلم، ولا في نقمتك عجلة، وإنَّما يعجل من يخاف الفوت، وإنَّما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علوّاً كبيراً".
إنَّ معنى الدعاء، هو أنَّك عندما تظلم الآخرين، فأنت لا تكون قوياً، بل تكون ضعيفاً يحاول أن يدافع عن عقدة الضعف في نفسه من خلال استعراض القوة.
لهذا، إذا أردنا لكلّ المشاريع الوحدوية أن تنجح، فإنَّ علينا أن نعيش شخصية الوحدوي، الشخصية التي تبحث عن الساحة الكبيرة لتنطلق فيها مع الآخرين، ثمّ بعد ذلك تنطلق إلى زاوية هنا وأخرى هناك من خلال تلك الساحة الكبيرة. أمّا أن نطل على الساحة من الزوايا الصغيرة، فهذا شيء لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، لأنَّ الزوايا لا تستطيع أن تسع الساحة أبداً.
لماذا الوحدة الإسلامية بالذات؟
إنَّنا عندما نتحدث عن الوحدة الإسلامية في لبنان، فهل ندعو إلى ذلك لنقول للمسلمين انغلقوا على أنفسكم، توحَّدوا مسلمين ثمّ انغلقوا؟ وهل هي وحدة ضد الآخرين في هذا البلد المشحون طائفياً؟
لا، ليست القضية كذلك، بل إنَّنا نعتبر أنَّ قضايا الوحدة تتسع لأكثر من محور، وتتحرك في عدة دوائر، من خلال القضايا التي تحكمها.
إنَّنا نتحدث عن الوحدة الإسلامية باعتبار أنَّها تمثّل وحدة تلتقي بوحدة أخرى، وعندها يمكن أن نتحدّث عن وحدة في الوطن تتحرك من وحدتين منفتحتين قويتين لا مجال فيهما لأية اختراقات صغيرة.
إنَّنا نتحدث عن الوحدة بين المسلمين، وهناك من يتحدث عنها بين المسيحيين، لأنَّنا إذا انطلقنا من خلال وحدة كبيرة تتحدث عن وحدة أكبر، فعندها يسهل معرفة القواعد الكبيرة التي يمكن فيها اللقاء...
ولكن عندما تريد أن تتحدث عن وحدة الوطن من خلال أكثر من دائرة، فعند ذلك سنضيع بين الدوائر الصغيرة التي قد تتحوَّل إلى ما يشبه الكلمات المتقاطعة.
إنَّ حديثنا عن الوحدة، هو حديث، أيضاً عن الانفتاح على كلّ الدوائر الأخرى، من خلال مبادئ الإسلام وقيمه، ليكون الحوار فيما بيننا جميعاً، منطلقاً من الوعي، ومن موقع الانفتاح والرؤية الواقعية السليمة.
لماذا نعيش الهم الآن؟
سؤال لم نجب عنه، لأنَّنا نشعر أنَّ هنالك أكثر من اختراق يتحرك في واقعنا ساعياً إلى الاستمرار في إثارة الفتنة من الداخل، لذا نشعر بأنَّ علينا معالجة هذه القضايا، لا على مستوى القيادات فحسب، بل على مستوى الأمّة كلّها، لأنَّه لا فائدة في أن تتحاور القيادات دون أن تعي الأمة معنى الوحدة، ودون أن تعي قضاياها.
واجبنا تجاه الأمّة:
إنَّنا نشعر بأنَّ علينا أن نجعل الأمة تتنفس روح الوحدة في الهواء الطلق، بعيداً عن كلّ المحاور، وكلّ الأساليب السياسية التقليدية التي عشناها، كما علينا في الوقت ذاته، أن نفكر في الأسباب التي أدّت إلى اختلاف المسلمين وانقسامهم، وبالتالي، علينا أن لا نهرب من مشكلة الخلاف، بل علينا أن نمتلك شجاعة مواجهتها كمقدمة لمعالجتها.
ولا بُدَّ من الإقرار بوجود خلافات بين المسلمين، كما أنَّ هناك خلافاً بين المسلمين وغيرهم، منها ما يتصل بتفاصيل العقيدة، ومنها ما له صلة بتفاصيل الشريعة، وبتقييم الشخصيات التاريخية التي يخلص لها هذا الفريق أو ذاك. إنَّ هناك اختلافاً، ولكن علينا أن لا نتشنج أمام الخلافات ونتعقد من وجودها، بل علينا استخدام عقولنا في تناولها ومعالجتها في مختلف المجالات، بعيداً عن العِقَد والعواطف الشخصية التي تؤجج المشكلة.
ولأنَّ المشاكل غالباً ما تحدث من خلال بعض مظاهر الخلاف التي تنطلق من كلام واعظ أو حديث خطيب، لتتحرك بعدها الجوانب العاطفية التاريخية، لذلك كان لا بُدَّ من أن نتحرك في اتجاهين:
1 ـ روحية العلم ورسالية الشريعة:
لا بُدَّ للمفكرين والعلماء والمثقفين من بحث كلّ تفاصيل الخلافات بحثاً علمياً موضوعياً، شأنهم في ذلك مع أي بحث يتناول التراث الفكري والعقائدي لأي جنسية أو قومية انتمى، بحيث يتمّ فحصها ودرسها وتقويمها بعيداً عن كلّ التراكمات، ووفقاً للمعايير العلمية الموضوعية لا العاطفية.
ويمكن لنا، من خلال ذلك، الحصول على نتائج جيدة تسمح بوجود مساحة واسعة من الأفكار والأسس المشتركة والمتفاعلة، هذا إن لـم نصل إلى حلول ونتائج حاسمة.
إذاً، لا بُدَّ للعلماء المسلمين، الجديرين بهذه الصفة، من أن يعيشوا رسالية الفكرة والشريعة، وأن يكون هاجسهم بلوغ الحقّ ونشره.
إنّنا نعتقد أنَّ التطور في الأسلوب الذي يعالج به العلماء القضايا الفكرية في العصر الحديث، يستطيع أن يحل المشكلة الفكرية الإسلامية بين علماء المسلمين ومفكريهم، بشرط أن يعيشوا روحية العلم، وأن يبحثوا في فكر أمتهم انطلاقاً من الينابيع الأصيلة للرسالة التي يعتقدون بها.
قد يكون هذا الحل مثالياً على مستوى الواقع العام، ولكن من الممكن أن تتحرك الخطوات الأولى، في هذا المجال، مستفيدةً من الأجواء العلمية التي يكفلها العصر الحديث في طريقة مواجهة الخلافات الفكرية بعيداً عن كلّ الترسبات والخلفيات الفكرية التي لـم تحاكمها الأسس الأصيلة.
إنَّ مثل هذه الخطوات القليلة والأولى، يمكن أن تفتح المجال لخطوات واسعة في المستقبل، لأنَّنا عندما نريد التحدث عن الوحدة، لا يمكن أن نتحدث عنها بطريقة "السندويش"، كما يتحدث السياسيون عن الحلول السحرية لمشاكل الأمّة، بل لا بُدَّ من أن نتحدث عنها كتطلعات مستقبلية تنتظر شروطها الواقعية من خلال تحركنا لتوفير مثل هذه الشروط من أجل المستقبل الكبير.
إنَّه ليس حلاً سحرياً، لأنَّ الحلول السحرية هي تلك التي لا تملك أدوات واقعية لتحقيقها، ولكن ما نطرحه هو حل واقعي، يحتاج إلى أن نُحضِّر له أدوات الواقع ليتحرّك فيه، وهذا غير بعيد عن تجاربنا. فكثير من الأوضاع التي نعيشها كانت مثالية في تصورات الآخرين، ولكنَّها أصبحت واقعاً اليوم عندما تهيأت لها الظروف والشروط الضرورية واللازمة.
لا بُدَّ من أن يكون عندنا مجال لحرية الفكر، وأن لا نتعقد من أية نتيجة سلبية أو إيجابية لما نؤمن به أو لما يؤمن به الخصم، لأنَّ الذين يتعقدون سوف لا يعيشون الحقّ ولا الرسالة ولا الإسلام، لأنَّ الإسلام ليس هو الشيء الذي ورثته، بل هو الشيء الذي تفكر فيه من موقع الأصالة، فإذا اكتشفت بنفسك أنّك مخطئ وأصررت على خطأك، فأنت لست بمسلم، لأنَّ الإسلام هو تجرد عن الذات، وانطلاق نحو الحقّ وخضوع له...
2 ـ خلافات الرأي واجتهاد المجتهدين:
وهناك اتجاه آخر ينبغي السعي له، وهو أن نعمل في سبيل تبريد الجوانب العاطفية المتأججة في المجال الشعبي، التي تتوقف أمام الخلافات بحدة، وذلك بأن نعطي الشعب أو الأمّة الفكرة التي تقول إنَّ هذه الخلافات هي اجتهادات اقتنعتم بها من خلال اجتهاد مجتهدين، والمجتهد إذا أعمل جهده قد يخطئ وقد يصيب، وهو إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وإنَّ الذين يتبعون المجتهد وهم لا يملكون الثقافة التي يستطيعون من خلالها تحديد الحقّ، إنَّ هؤلاء معذورون وإن اكتُشِف خطأه بعد ذلك. إنَّ هذه الفكرة لا بُدَّ من أن يعيشها النّاس للوصول إلى هذه النتائج، وإن سلوكها غير صعب، والسبب هو ما عندنا في الدوائر الإسلامية، في دوائر المذهب السني أو الشيعي، فهنالك أكثر من رأي يتبناه النّاس في هذه الدائرة، وفي الوقت نفسه، يتبنون آراء أخرى في الدائرة الأخرى، ومن دون أن يشعروا بعقدة في ظل دائرتهم الصغيرة، لذا يمكننا أن نأخذ الرأي في ظل هذه الدائرة الصغيرة، حتى نوحي للنّاس بواقعيتها وسلامتها في ظل الدائرة الكبيرة.
وعندما يتصور النّاس أنَّ الخلافات في الرأي لا تكون مصدر تضليل، ولا هي بالعقدة، ولا هي تمثل دوائر مقفلة لا تنفتح على الآخرين، وعندما يثيرون نقاط اللقاء الكثيرة، فإنَّهم سيعتادون قبول الآخر وقبول الاختلاف، لا من موقع التعصب، وإنَّما من موقع القناعة العلمية والموضوعية، الأمر الذي سيخلق مناخاً يقوم على الاحترام والثقة المتبادلين، ما يؤسس لمناخات التقارب والتواصل وصولاً إلى مرحلة التوحد لاحقاً.
وهذا الأمر، كما قلنا، غير سهل، لكنَّ إنجازه أيضاً غير مستحيل، وجلّ ما يحتاجه هو أن يتحرك المخلصون العاملون في نطاق الأمة بعقلية الرساليين، من أجل توعية الأمة والوصول إلى وحدة في القواسم المشتركة.
أمّا لماذا الأمر غير سهل؟ فلأنَّ واقعنا قد تعوّد على استهلاك العقد عند كلّ مسعى لحل خلاف، وسيصر على ذلك حتى عند التحرك في النطاق الإيجابي، هذا فضلاً عن أنَّ هناك مستفيدين كثراً من واقع الانقسام والتشرذم الطوائفي والمذهبي، سواء على مستوى الكهنوت الديني، أو على صعيد رجال السياسة، ولكنّنا كما قلنا، نحن لا نتطلع إلى تحقيق ذلك في المرحلة القريبة، ونعتبر أنَّ المعاناة هي جزء من عمل الرساليين الذين يسعون إلى تحقيق المواقع المتقدمة للرسالة.
لذا، يجب أن تكون الرسالة هي المعيار الذي نقيس به أبطالنا، وعندها فليبق من يبقى، وليسقط من يسقط، لأنَّنا لا نريد إلاَّ أولئك الأبطال الذين يربطوننا بالرسالة ربطاً مثالياً يحفزنا دوماً على المضيّ قدماً إلى الأمام. هذا إذا كنّا ممن يحرص على الوحدة فعلاً لا قولاً، لأنّ الوحدة أبعد من أن تكون واقعاً منجزاً، بل هي مشروع نحو المستقبل، ولذا لا بُدَّ، وانطلاقاً من هذه الحقيقة الواقعة، من أن ترتفع سقوف تفكيرنا وطموحاتنا وإراداتنا وعزائمنا وأحلامنا، إلى المستوى الذي يلامس آفاق المستقبل وإمكاناته. كما لا بُدَّ من الانطلاق من الدوائر الصغيرة لإقامة وشائج التواصل والانفتاح وصولاً إلى إنجاز هذين الهدفين على مستوى الأمّة جمعاء، إذ لا بُدَّ دائماً، في أيّ مشروع كبير يلامس تطلعات الإنسانية وتكاملها الحقّ، من أن يتخذ له نقطة ارتكاز أساسية في أرض الواقع، تشكل له القاعدة والمنطلق، لتحويل الطموح من حيِّز التصور إلى حيز الفعل.
وهنا، لا بُدَّ من تسجيل ملاحظة لها صلة بالموقف من الشخصيات التاريخية في الإسلام، حيث غالباً ما توضع هذه الشخصيات في مقابل بعضها بعضاً، وفي عرض بعضها البعض، لتتصارع، ونتصارع نحن من ورائها، وهكذا نعيد استيلاد خلافاتنا على أرضية خلافاتها. ومن المؤسف، أنَّه بالرغم من أنَّ هذه الشخصيات باتت جزءاً من التاريخ، لكنَّها لا تزال حاضرةً فينا وتفعل فعلها الكبير، ذلك لأنَّنا لا زلنا أمةً بعيدة من أن تحكمها المبادئ والرسالية، وإنَّما يحكمها الشخص، وتأسرها صورة البطل، ولذا ترى هذه الأمّة تدور حيثما يدور أبطالها، فإن تلفّتوا يميناً أو يساراً تلفّت النّاس معهم.
إنَّ كلّ أمّة تحتاج إلى أبطال، لكن ليس كيفما كان، وإنَّما لا بُدَّ لنا، نحن تحديداً، من أبطال رساليين، صنعتهم الرسالة، كما صنعوا هم مجدها، فكانوا أولادها حقّاً.
من هنا، وبناءً على ما تقدم، فإنَّ هذا الأمر يستدعي مواجهته، ومن خلال الجهد والتوعية يمكننا أن نتقدم، وأن نُفهم كلّ المسلمين بأن لا يكون لديهم غيرة على الشخصيات المقدسة أكثر من غيرتها على نفسها، وأن لا يكون لديهم غيرة على القرآن أكثر من غيرة القرآن على نفسه، لأنَّ الواقع لدينا هي أنّنا مسلمون، ولكن أساليبنا وطريقة معالجة الأوضاع عندنا بعيدة عن الإسلام.
ولنلحظ صراعاتنا، ففيها لغة السباب لمن لا نحبهم ونختلف معهم. أصبحت الشتائم هي خبزنا اليومي في المساجد، والنوادي السياسية، والساحات الاجتماعية، وفي بيوتنا، ونحن، في الوقت نفسه، غير مستعدين لتحمل الرد من الآخرين. إنَّ للآخرين مقدسات كما لك مقدسات، وإن عليك أن لا تفكر في القضية من جانبك وحدك. وعندما تعرف أنّك لا تتحمل أن تُسَبَّ مقدساتك، فإنَّ عليك أن لا تسب مقدسات الآخرين. وهنا آية قرآنية تعبّر عن هذا المضمون: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون اللّه} ـ أتدرون من هم الذين يدعون من دون اللّه؟ إنَّهم عبدة الأصنام المشركون ـ {فيسبوا اللّه عدواً بغير علم كذلك زيناً لكلّ أمّة عملهم} (الأنعام؛108)، لأنَّ كلّ إنسان يعتقد أنَّ وجهة نظره هي الصحيحة، وطريقته هي الفضلى، فإذا كان القرآن لا يرضى أن تسب الذين يعبدون غير اللّه، فكيف يرضى لك أن تسب الذين يعبدون اللّه، ولكنَّهم مختلفون معك في بعض تفاصيل العبادة، فهل تكون أكثر غيرة من اللّه على المبادئ؟!!
وفي مسار آخر، نرى أنَّ الإمام عليّ(ع) حارب معاوية، لا من منطلق طائفي كما نفكر نحن، بل من موقعه كحاكم للمسلمين؛ كان لا بُدَّ له من أن يتصدى لتمرد معاوية، فكانت الحرب هدفاً لحفظ النظام، ولهذا انطلق الإمام إلى الحرب، لا بروحية الإنسان الذي يحمل عقدةً، ولكن بروحية من يريد تصحيح واقع، وعندما سمع جماعة من جيشه من أهل العراق يسبون أهل الشام، وقف فيهم خطيباً وقال: "إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنَّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتـم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيِّ والعدوان من لهج به"(1) .
إنَّه موقف إسلامي. فهو لـم يكتف بأن يكره لهم أن يكونوا سبّابين، ولكن أراد تعليمهم كيف يديرون الصراع، وما هي روحيته، وأعطاهم درساً تطبيقياً من خلال الكلمات التي أراد أن يوحوا بها لأنفسهم عندما يكونون في حالة صراع مع خصم أو عدوٍ لهم.
إنّك عندما تريد أن تتحدث مع الآخرين، فكّر في الأسلوب الذي يفتح قلب الآخر عليك، لا أن تجعله يتشنج منك وتتشنج منه، وعندما تواجهه، واجهه من خلال تذكر قوله وفعله، وتذكّر قولك وفعلك، لتتوازن ولتبقى محافظاً على الأهداف، لا من خلال الانفعال، وإنَّما من خلال العقل والتفكير المتّزن.
هذه الروح هي التي كانت تسود الرجال الكبار في صدر الإسلام، ولكنَّنا أخذنا غيرها في عصور التخلّف، بحيث أصبح التخلف يمثِّل القداسة في حياتنا، فيما يخيل إلينا أنَّنا نقدس الدين، ولكنّنا في الحقيقة نقدس جهلنا بالدين، ولذا لا بُدَّ من أن نعيش في الواقع هذه الروح لنتجاوز واقع التخلف.
هذه بعض النقاط أحببت أن أثيرها في الإطار العام، وفي الأطر الفكرية والتشريعية والتاريخية.
مشكلتنا في أمراء السياسة:
وإذا دخلنا إلى واقع الوحدة في الإطار السياسي والاجتماعي، فهل نلاحظ ملامح لواقع الاختلاف، سواء في الإطار الإسلامي أو غير الإسلامي؟ هل نجد هذا الواقع بكلّ سلبياته؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، فلنفكر بواقعية، هل هناك شيء اسمه مشكلة سياسية أو اقتصادية أو تربوية شيعية، ومشكلة سنية على هذا الصعيد؟ قد تكون موجودة، ولكنها مشكلة مَنْ؟ إنَّها مشكلة أمراء السياسة الذين يبحث كلّ واحد منهم عن إمارة يورثها لأتباعه وأولاده.
ولكن، هل هناك من مشكلة على مستوى العالِم والعامل والطالب؟ فكلّ إنسان يعيش في هذا المجتمع يبحث عن غذائه، يريد أن يحصل على حياة كريمة، وهل هناك مشكلة ظلم للشيعة ليست موجودة لدى السنة؟
لا، ليس هنالك مشاكل مختلفة، بل المشكلة واحدة، قد تكون بعض المناطق فيها أكثرية شيعية وبعضها فيها أكثرية سنية، لكنَّ المشاكل فيها تتشابه، لأنَّ الاستعمار عندما يتحرك لأجل أن يركز قواعده في منطقتنا، فإنَّه لا يبحث عن المذاهب، بل يبحث عن العناصر التي تتواطأ معه، وهو عندما يبحث عن الشيعة أو السنة وعن المسيحية، فإنَّه يبحث عنها كأسلوب وكأداة من أدوات الوصول إلى هدفه.
إنَّ هناك واقعاً عشناه معاً تماماً في تلك الفتنة(1) التي اكتوينا جميعاً بنارها، تلك الفتنة التي ليس فيها منتصر أو مهزوم، بل الكل فيها مهزومون، فعندما قصفت بيروت، لـم تقصف المناطق الشيعية دون السنية، والحرمان الذي يعيشه المسلمون وربَّما غيرهم، ليس فيه حرمان شيعي وحرمان سني، والجنوب الذي نتحدث عن الحرمان فيه، ليس وحده محروماً، ولكن ماذا عن عكار، والبقاع، كلّنا نتحدث عن حرمانه، ولكن ماذا عن إقليم الخروب، إنَّ الحرمان واحد، ولكنّه يتنوَّع ويتشكَّل بحسب المواقع.
وإذا طرحت الامتيازات على مستوى الطوائف الإسلامية، فهي لا تطرح إلاَّ من خلال أنَّهم يريدون إشغال هذه الطوائف فيما بينها، وهم عندما يثيرون موضوع الامتيازات الطائفية ـ السياسية، كأن يقولوا للسنّة إنَّ الشيعة يريدون انتزاع رئاسة مجلس الوزراء منكم، ويوعزون للشيعة بأنَّ السنّة عينهم على رئاسة المجلس النيابي، لا يثيرونها من موقع الغيرة على امتيازات هذه الطائفة أو تلك، وإنَّما لتأجيج نار المخاوف، واستغلال عقلية الخوف والحذر المضاد، على أرضية الحساسيات المذهبية وعصبياتها، لتعميقها وإشعالها، بحيث يبقى المسلمون متنابذين متعارضين متكارهين، لا توحّدهم ألفة، ولا تجمعهم مصلحة أو غيرة على الإسلام والدين، فالهموم تقتصر على المصالح المذهبية والشخصية لهذه الفئة أو تلك، ولهذا الشخص أو ذاك، في حين أنَّ الشأن الإسلامي، التفكير الإسلامي العام، المصلحة الإسلامية العليا، تبقى في خبر كان. وهكذا يحصل الفتانون من الأعداء على الأمن أمام هذا البحر الإسلامي، هذا البحر الذي ليس فيه من الإسلام إلاَّ اسمه.
الحقيقة، وبعيداً عن كلّ أمراء السياسة، ليست هناك مشكلة شيعية ـ سنية، وإذا توسعنا، ليس هناك مشكلة إسلامية ـ مسيحية، هناك مشكلة إنسانية في هذا البلد، مشكلة مستضعفين ومستكبرين، مشكلة أناس ساروا في ركب مخطَّطات وأهداف إقليمية ودولية.
ولهذا قلت في محاضرات سابقة: اجمعوا كلّ أمراء السياسة من كلّ الطوائف، واذهبوا بهم إلى جزيرة في البحر، فستجدون أنَّ الشعب هنا في لبنان، لا يحتاج للّقاء إلى أي من جلسات الحوار، لأنَّهم فعلاً يلتقون في المدرسة والمصنع ويتحادثون، ويترحّمون على الأيام السابقة، ويشيرون بعين الأسى إلى الواقع المعاش، لكن هؤلاء هم الذين يخيفون النّاس، ويضعون بينهم الحواجز، لأنَّ اللعبة لا تمر إلاَّ بذلك.
ما نريد تأكيده هنا، هو أنَّ قضايانا واحدة ومشاكلنا واحدة، لا أقولها كشعار، ولكن لنبحث في مفردات الواقع، هل نجد هنالك خصوصيات لهذه المشاكل؟ سوف لن تجدوا الخصوصيات، بل ستجدون الوحدة التي هي واقعنا الذي نعيشه لو أحسنّا تخليصه من كثير من العقد ومن كثير من الشوائب.
فالقضية أنّنا نعيش روح الوحدة عندما نعيش الإسلام، لأنَّ الإسلام رسالة، فالتسنن ليس ديناً، كما أنّ التشيع ليس بدين، بل التسنن والتشيع هما وجهتا نظر في فهم الإسلام، ويمكن لوجهتي النظر أن تتقاربا أو تتحدا. والطائفية التي جزّأت البلد ليست ديناً، الطائفية عشائرية بشكل أوسع، وإلاَّ فانظروا إلى كلّ أمراء الطوائف، مـن منهـم يعتقـد باللّه فضلاً عن المسيح (ع) أو محمَّد (ص)؟! إنَّهم لا يعتقدون بهذه القيم، ولو اعتقدوا بها لرأوا أنَّ في الإنجيل والقرآن أكثر من ساحة للقاء، إنَّهم ليسوا متدينين بل عشائريين، يعيشون الطائفية كعشائرية، ولا يعيشونها كفكر وروح أو كرسالة للحياة.
إنَّ علينا رفض الطائفية، لأنَّها العلبة التي أُريد لنا أن نتعلب بها. إنَّ علينا الانفتاح على ما نتفق حوله، وعلى ما نختلف فيه كفكر، لنحاول التحاور فيه والانطلاق منه، لنصل إلى نتائج كبيرة.
لنكن حملة رسالات لا حملة شعارات:
كما بدأت أقول في ختام الحديث، إنَّ الحديث مسؤولية، وكذلك الاستماع إليه. إنّني أريد لهذه الأفكار ولغيرها مما يقوله الآخرون، أن تكون فكراً نتأمل فيه، وأن تكون خطوة ننطلق منها إلى الأمام. إنّني أريد لنفسي ولكم، أيُّها الأخوة والأخوات، أن ننطلق إلى كلّ هذا الواقع الذي تختبئ فيه كثير من الخلفيات التي تريد أن تعمل على تهديمه، وأطلب منكم التفكير في كلّ شيء يطرح عليكم. حاولوا التفكير في كلّ شيء تؤمنون به، حاولوا أن تفكروا في الواقع السياسي عندما تتبنونه كما تفكرون في الواقع الديني عندما تؤمنون به، لأنَّ مشكلة الكثيرين منا، أنَّهم جـمّدوا أفكارهم، وانطلقوا في عبادة للشخصية، فهم يتعبدون للأشخاص وإن لم يصلوا لهم، ويتعبدون للأشخاص وإن لـم يسجدوا لهم. إنَّ أفكارنا تسجد لكثير من أفكار الآخرين، وإنَّ أرواحنا تركع لكثير من خطوات الآخرين. لقد خلق اللّه لنا فكراً، لذا علينا تحريك هذا الفكر في كلّ شيء. علينا أن لا نجعل آذاننا معبراً سهلاً لكلّ فكرة، فلا ندعها تسيطر على قناعاتنا، بل نجعلها موضع تساؤل، بحيث نفكر في كلّ شيء ولا نحكم على أي شيء إلاَّ بعد أن نعرفه وندرسه. إنَّ كلّ اللاعبين، كباراً وصغاراً، يراهنون على جهل النّاس بالسياسة، وعلى جهل النّاس بالدين، كما يراهنوان على براعتهم في تجهيل النّاس من خلال سفسطاتهم وأضاليلهم. إنَّهم يراهنون على جهلكم، ويراهنون على أنَّه ليس عندكم وقت للتفكير فيما يقولون، أو فيما يحدث من حولكم. إنَّنا لا نريد أن نكون حملة شعارات، نريد أن نكون حملة رسالات. إنَّك تستطيع أن تعلق الشعار على الحائط ثمّ تنزعه بعد حين عندما يتغير الوضع وتتغير الموجة، ولكنَّ الرسالة تبقى في فكرك ودمك وحياتك، لأنَّ الرسالة هي حياتك وحياة الآخرين، وهي مستقبلك ومستقبل الآخرين. فهل لنا أن نكون أصحاب الرسالة، ولا نكون أصحاب اللعبة؟! إنَّ أصحاب اللعبة سوف يكتشفون الخلافات جيداً، ولكن أصحاب الرسالة سوف يكتشفون مواطن اللقاء جيداً. إنَّ القرآن علّمنا البحث عن مواطن اللقاء: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاَّ اللّه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللّه} (آل عمران؛64). ارفضوا كلّ هؤلاء الأرباب، وانطلقوا مع الرب الواحد في الطريق الواحد والجو الواحد. فالوحدة التي تنطلق من الفكر ومن الشعور بالمسؤولية، هي التي تملك الأمل بالنجاح.
أيُّها الأخوة، إنَّ الساحة مفتوحة، وكثيرون يريدون أن ينصبوا الحواجز عليها، فهل لنا الانطلاق فيها وبها نحو الوحدة، قبل أن تنتصب هذه الحواجز كبيرة كبيرة. إنَّ علينا تحطيم كلّ ما ينصب لنا من حواجز بكلّ أساليب الرفق، وبكلّ أساليب الحبّ والرحمة، فالإسلام رحمة كما هي المسيحية محبة؛ رحمة تفهم الواقع وتتعامل معه من خلال ظروفه، ومحبة تبحث في الواقع عن كلّ الجوانب المضيئة في الحياة.
أيُّها الأخوة، أيتها الأخوات، لقد تعبنا من العنف، تعب ديننا من العنف، تعب مستقبلنا من العنف، تعب حاضرنا من العنف، وقد عرفنا أنَّ العنف في الداخل لن يحل المشكلة. لقد جربتم العنف في قتال الشوارع، وجربتم العنف في قتال المحاور، وجربتم العنف في أكثر من طريق، فهل لكم تجريب الرفق والمحبة والرحمة؟! جرّبوا هذه من جديد، فستكتشفون أنَّها هي التي يمكن أن تفتح عيونكم على الشمس، وهي التي يمكن أن تسير بكم إلى حيث الينابيع.

الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

لغة الحوار أساس السلام في المجتمع

لغة الحوار والاعتراف بالرأي الآخر هي اللبنة الأولى في تطور المجتمع وخلق التلاقح الفكري الذي يؤدي إلى التجانس والانسجام في كل مسألة تسهم في تطور المجتمع وتقدمه.
ومما لا جدال فيه أن لغة الحوار و التسامح من القيم الحضارية لأي أيديولوجية أو فكر بغض النظر عن ثوابت هذه الأيديولوجية ومما لا شك فيه أيضا أن كل إنسان يحمل فكراً أيديولوجيا منضبطاً بضابط العدل و المساواة لابد وأن يدعو إلى لغة الحوار و التسامح وهذا أمر إيجابي...
لكن هناك سؤال يطرح نفسه عن طبيعة القالب الذي يحتضن هذا الحوار والتسامح بين نسيج الشعب ؟!!‏ والشباب من هذا النسيج وهم العنصر الرئيسي في تجسيد الديمقراطية والحوار والبعد عن التطرف وإتقان لغة الحوار، وعنصر الشباب في كل مجتمع إنساني هو طاقته وذخره في المستقبل، وهم القوة المحركة والفاعلة في كل مجتمع في جميع مراحل حياتنا كان لهم دور كبير في مواجهة التحديات والأزمات التي تواجه أي مجتمع من خلال تشكيل وتكوين فكر وقدرات وطاقات الشباب على النحو المحقق لأهداف المجتمع في النهضة والنمو والتطور، وإذا كان الشباب اليوم يمثلون نصف الحاضر فأنهم في الغد سيكونون كل المستقبل، ومن هنا جاءت العبارة بأن الشباب عماد المستقبل.
الشباب وسيلة التنمية وغايته، فالشباب يسهمون بدور فاعل في تشكيل ملامح الحاضر واستشراف المستقبل، والمجتمع لا يكون قويا إلا بشبابه والأوطان لا تبنى إلا بسواعد شبابه، وذلك عندما يكون العنصر البشري معد بشكل سليم وواعي مسلحا بالعلم والإيمان والانتماء والولاء للوطن، عندها سوف يصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر وأكثر استعدادا للمستقبل، ولذلك فان جميع الأمم والشعوب تراهن عليهم دوما في تحقيق التنمية الوطنية الشاملة، وثقافة الاعتدال والتسامح واحترام الرأي والرأي الأخر والتعايش السلمي جميعها تصب في تحقيق التقدم والتطور والبناء الاجتماعي السليم.
وإننا اليوم بأمس الحاجة إلى إشاعة لغة الحوار وثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش السلمي والانفتاح والاعتراف بالآخر والوقوف بحزم وبشدة ضد تيارات التشدد والتطرف والعنف ولا بد من العناية بتصحيح المفاهيم وضبط المصطلحات الشرعية وتخليصها مما خالطها من المصطلحات المغلوطة والمشبوهة والحفاظ على خصوصيتنا الثقافية ومميزاتنا الفكرية.
 ولابد في هذا المجال أن نشير إلى نقطة هامة جدا ألا وهي الانفتاح الإيجابي والتداخل والتفاعل بين الشعوب المتقدمة والمتحضرة والاستفادة منها: بشكل خاص في نجاح وتعزيز النهج الديمقراطي بمفهومه الواسع وليس فقط التركيز على العملية الانتخابية إضافة إلى قضايا حقوق المرأة والأقليات وحقوق الإنسان ونشر ثقافة التداول السلمي للسلطة والتنمية البشرية..
ولنا في التجربة خير برهان - كوريا الجنوبية واليابان- فهذه الدول عندما كانت متشددة ويسودها العنف والتطرف الحزبي والعرقي والديني كان مصيرها التدمير والهلاك والفقر والجوع وعندما توجهت نحو لغة الحوار وثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش السلمي وتوقفت الإيديولوجية المتشددة والمتطرفة أصبحت بحق وحقيقة من الدول الاقتصادية الكبرى في العالم وهو ما نتمنى بالفعل أن يتحول هذا الحلم إلى واقع بأن تصبح مجتمعاتنا العربية والإسلامية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وغير ها من الدول المتقدمة والمتحضرة.
وخلاصة القول.. أنه لا سبيل غير لغة الحوار وثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش السلمي والاعتراف بالآخر كضمان وحيد لتحقيق التقدم والتطور والبناء الاجتماعي السليم.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي ينبغي في الواقع أولا أن يتحاور العرب والمسلمون فيما بينهم وينفتحون على بعضهم البعض بكل صراحة وشفافية حتى يستطيعون تجاوز حالة التفرقة والتنازع والتصادم والتحارب ويتفقون على بناء مشروع حضاري يخدم شعوبهم أولا وأخيرا، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتضافر كل الجهود والإمكانات والطاقات ويستفاد من كل العقول المفكرة والمنتجة في سبيل النهوض الحضاري الشامل..
ومن هنا يمكنهم أن ينطلقوا بروح جديدة نحو إيجاد مناخ مناسب وملائم لانطلاقة حضارية شامخة وعظيمة تنافس وتواكب الأمم المتقدمة والمتحضرة في المستقبل المنظور.
إن هذا التعايش الذي يتجلى في الحوار والائتلاف حول القضايا الوطنية، وحول تأكيد الهوية الثقافية والفكرية المنطلقة من الثوابت الدينية والوطنية، والمستفيدة في الوقت نفسه من التحولات الثقافية الإيجابية عربيا وعالميا بما يزكو من حياتنا، وبما يطور من رؤانا وتصوراتنا التي نستثمرها في النهضة والبناء والمعرفة، هذا التعايش سمة من سمات هذه البلاد الأصيلة التي تنطلق من أدبيات وتقاليد عريقة لها أثرها في مختلف الأجيال.
وإن هذا التعايش ربما لا نجده في مناطق أخرى من العالم من حولنا، حيث يتخذ التنوع الإثني (الأجناس البشرية وخصائصها وأخلاقها وتفرقها) أو العرقي أو المذهبي شكلا حادا، ويتخذ سمة الصراع في المنابر، فكل يريد أن يعبر عن نفسه، أو تياره بأية صيغة، وبأي شكل، حتى ولو تحول هذا التعبير إلى طرق غير مشروعة، أو إلى تعبيرات ومواقف حادة، وهذا ما تنبذه كل الأطياف الفكرية والوطنية في بلادنا متجهة صوب الحوار المسؤول المستظل بمظلة الدين والوطن، وهي مسؤولية وطنية ناضجة.
من هنا لنا أن نزهو بهذا التعايش الذي يترك مساحة كبيرة للتفكير والتأمل واستشراف مختلف القضايا، ووضع تصورات إيجابية شاملة حولها، وهو الأمر الذي يقودنا إلى استلهام عناصر هذه التصورات، وتطبيقها بشكل عملي يؤدي إلى النهوض والتقدم والمعرفة، وهذا هو دور الحوار، وصدى التعايش بين مختلف التيارات الفكرية .
-----------------
عدنان العلي الحسن

الجمعة، 22 يوليو 2011

الاختلاف مسموح.. ولكن

الاختلاف بين البشر، بل بين المخلوقات عامّةً، هو إحدى السنن الكونيّة، التي يقول الله سبحانه فيها: [فلن تجد لسنّة الله تبديلاً ولن تجد لسنّة الله تحويلاً]، وقد شاءت قدرة الباري تعالى شأنه أن يكون هذا الكون الرحب الفسيح محكوماً لهذا الاختلاف.
وهذا الاختلاف الكونيّ هو الذي يُحدث التنوّع والتناغم، وهو الذي يتيح المجال أمام الإبداع والتناسق ليخيّم بأجوائه على الأرجاء، وهو أيضاً ما يحول دون سيطرة الرتابةَ والفُتُور، وهو الذي يحرّر الإنسان من أسر العادات القاتلة.

فالكواكب والنجوم، والسماء والأرض، والجبال والسهول، والبحار والمحيطات، والرجال والنساء، كل ذلك مختلف من حيث الخلقة، ومن حيث السلوك والحركة، ومن حيث العاطفة والوجدان.
إنّ وجود اختلاف لا حصر ولا حدّ له داخل كلّ نوع من هذه الأنواع هو ما يجعل للحياة طعماً ومذاقاً مختلفاً، فهو يثري الحياة ويغنيها بمظاهر التنوّع وأشكاله، ولنتخيّل مثلاً لو أنّ الأماكن كلّها كانت على شاكلة واحدة من حيث طبيعة المكان والمناخ و.. إذاً لسئم الإنسان حياته من العام الأوّل لحياته؛ لأنّه أينما حلّ وأينما ارتحل فسوف لن يجد جديداً، ولن يتغيّر عليه شيء.

وعن مشاهد الاختلاف وأثره في وجدان الإنسان يقول عزّ من قائل: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ]. ويقول تعالى في موضع آخر: [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ].

فالله تعالى جعل الاختلاف آيةً لقوم يعقلون، وآية لأهل العلم وأُولي الألباب.
وفي موضع آخر أيضاً يحدّثنا الكتاب العزيز عن الاختلاف بوصفه هبة إلهيّة، وواحدة من النعم الكثيرة التي لا يحصيها العادّون، إذ يقول تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ].

فالله تعالى جعل الليل يعقب النهار، والنهار يعقب الليل حتى لا يشعر الإنسان بالملل والسأم.
وإذا وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنّ الاختلاف موهبة إلهيّة وعطيّة ربّانيّة، أيقنّا حينئذٍ أنّ الذين يتحدّثون عن ضرورة إزالة الفوارق والاختلافات بين المسلمين، ولزوم توحيد كلمتهم وآرائهم على رأي واحد، هذا الحديث، مضافاً إلى أنّه يخلّ بجوانب الإبداع المختلفة التي تحتاج إليها الأمّة، فهو أيضاً من الأمور التي يستحيل فرضها وتطبيقها؛ نظراً لكونه على خلاف ما تقضي به الفطرة والسنن الإلهيّة المحكمة. ولو كان هذا ليحدث لحدث في خير القرون، في عهد رسول الله(ص)، ولكنّه لم يحدث، حيث كان الصحابة يختلفون وتتعدّد أنظارهم وآراؤهم والرسول بين ظهرانيهم يتنزّل عليه الوحي من لدن عزيز حكيم، ولو كان مطلوباً لكان النبيّ(ص) أولى الناس بالدعوة إليه، ولكنّه لم يفعل، بل أقرّ هذا الاختلاف ضمن ضوابطه، وفي دائرةٍ لا تصل إلى حدّ التناقضات الهدّامة.

وعليه: فلا ينبغي لنا أن نقلق من هذا الاختلاف، سواء كان في أمور شرعيّة أم في أمور حياتية، بل على العكس من ذلك، علينا أن نسعى إلى تحكيم هذا الاختلاف وجعله منهجاً في الحياة، يطبّقه الزوج في بيته مع زوجته وأولاده، وتطبّقه المؤسّسات والشركات والدوائر على اختلاف موقعيّتها في المجتمع، بدءاً المؤسّسات الصغيرة، كالأسرة، ووصولاً إلى مؤسّسات الدولة والمجتمع المدنيّ، وانتهاءاً إلى مجموعة الدول، بل العالم أجمع.

إنّ الرجل الذي يريد أن يحوّل زوجته وأولاده إلى نسخة مكرّرة منه؛ هو رجل فاشل في إدارته لأسرته، ورئيس العمل الذي لا يقبل من الناس إلّا أن يفكّروا كما يفكر هو، ويُؤَمِّنوا على قوله وأفعاله دون اعتراض ولا تفكير؛ فسيقضي على مؤسسته بالضياع والانهيار، وعلى هذا تقاس كلّ أمورنا.
قال تعالى: [وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ].
ويبقى هنا شيء هامّ...

فإذا كان الاختلاف حقيقة كونيّة، وضرورة شرعيّة؛ فلماذا يؤدّي إلى التناحر والتشرذم والتفرق والضعف؟؟
إنّ السبب الرئيس في هذه المسألة هو غياب آداب وأخلاق الاختلاف، فكلّ يُصرّ على رأيه، ويعتبر نفسه محور الحقّ والعدالة، وبالتالي: فكلّ من يخالفه الرأي فقد حاد عن جادّة الصواب.

وأوّل وأهمّ آداب الاختلاف: روح الأخوّة الإنسانيّة والإسلاميّة، وبغياب هذه الروح يتحوّل الاختلاف من نعمة إلى نقمة، ويصبح الاختلاف مثاراً للفرقة بدل أن يكون مدعاةً للاجتماع، ومن وسيلة للبناء إلى آلة فتّاكة هدّامة، تدمّر ولا تعمّر.. وأمّا حضور هذه الروح، وتعزيز وجودها، فهو وحده ما يضمن للجميع أن يتعايشوا في سلام ووئام.

-------------------------
حسن يحيى

الأربعاء، 6 يوليو 2011

التعددية .. اشارات تشريعية ومصاديق تكوينية

يعتبر التنوع والاختلاف والتعددية في مظاهر الكون من الموضوعات التي يكاد يلمسها العالم والجاهل، الصغير والكبير، الرجل والمرأة، فهي من الأمور البادية للعيان والملموسة لمس اليد، بل ان الانسان بحد ذاته واحد من مصاديق التنوع، وبالإمكان إدراك معنى التنوع تكوينيا وتشريعيا، تكوينيا عبر ما أبدعته يد الله العليم في هذا الكون، وتشريعيا من بين ثنايا آيات القران الكريم وسنة الرسول (ص) وهي قوله وفعله وتقريره لفعل او قول او حادث صدر في حياته الشريفة، وتعتبر الشيعة الإمامية قول المعصوم وفعله وتقريره – إشارة الى الأئمة الاثني عشر ابتداءاً بالإمام علي (ع) وانتهاءاً بالإمام الحجة المنتظر، الى جانب سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) – جزءاً من السنة الشريفة، فيما يعتبر أهل السنة قول الصحابي وفعله وتقريره جزءاً من السنة.(1)
اضاءات قرآنية
     واذا كان الله الخالق العلام سبحانه وتعالى قد اشار بوحدانيته وتفرده في آيات كثيرة، من قبيل قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأوُلوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم} سورة آل عمران:18، وقوله تعالى: {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} سورة طه/98، وحث البشر على إعمال الفكر والعقل والتدبر لمعرفته والاقرار بخالقيته للكون والكائنات، من قبيل قوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ ..} سورة الأعراف/185، وقوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} سورة ق/6-8، فانه سبحانه وتعالى قد اشار في آيات كثيرة الى التعددية والثنائية والاختلاف القائم في كل ما صنعته يداه من انسان وحيوان وجماد، ومما نعلم ومما لا نعلم، قال تعالى: {خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. والأنعام خلقها لكم فيها دفٌْ ومنافع ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه إلاّ بشقّ الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} سورة النحل/4-8. بل ان الكون كله حاك عن هذا التنوع والثنائية والتعددية، وقد اشار القران الكريم في آيات كثيرة الى نماذج من هذه الثنائية والتعددية ان كان في خلق الكون او الانسان او التعددية في نفسية الانسان ومزاجه وهي الصورة الواضحة لنا.
وفي الإسلام تبلغ التعددية – المؤسسة على طبع وسجية التنوع والاختلاف – مبلغ الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. قد تُكبت او تُقهر، لكنها سنّة من سنن الله لا تبديل لها ولا تحويل.
ولان هذا هو شأن الاختلاف، ومكان التعددية، ومقام التنوع، في الرؤية الإسلامية، كان القران الكريم – كتاب العقيدة والشريعة ومنظومة القيم وفلسفة التنظيم والتدبر والعمران – هو المصدر الأول لآلتماس موقف الاسلام من التعددية والاختلاف.. فنحن – بازاء هذه القضية – لسنا حيال فكرة حديثة أو طارئة ابتدعناها او استعرناها، وإنما بازاء "مبدأ إسلامي" أخبرنا القران انه "... إلهي" وسنة "أزلية"- أبدية قد فطر الله عليها جميع المخلوقات.. فلم ولن تكون الناس نمطا واحدا أو قالبا فردا وإنما كانوا ولا يزالون مختلفين.(2) يقول تعالى في محكم كتابه: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ونخيل صنوان وغير صنوان يُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} سورة الرعد/4.(*) فبالرغم من ان الأرض المزروعة التي ارتوت بماء المطر كما يبدو للعيان هي ارض ذات طبيعة وخصيصة واحدة لكن القران ينبهنا الى حقيقة الاختلاف والتنوع في مخلوقاته من انسان ونبات وحيوان وجماد, والتفاضل القائم بينها، بل ان هذا التفاضل هو جوهر الاختلاف والتنوع في الكون وفي الانسان والنبات، بل وهو الطريق الموصل الى أحد النجدين في الآخرة أما النعيم وأما الجحيم.
تنوع متعدد الأبعاد
ان نظرة بسيطة الى ما حولنا في الكون المادي الطبيعي، وانتباهة الى ما يحيط بعالمنا ومحيطنا الخاص، على مساحة الكرة الأرضية تجعل الانسان كما يقول الشيخ شمس الدين: "يتلقى فورا إحدى اكبر الحقائق الموضوعية التي تطبع عالم الشهادة القريب والبعيد، تطبع الأكوان كلها، وهي التنوع الهائل المدهش الذي تتسم به كل العوالم: عالم المادة الجامدة بشتى تجلياتها، من الذرة وما تستنبطه من عوالم الى المجرات الكبرى، وعالم النبات بكل تنوعاته المدهشة والمعجبة، من الذرة الصغيرة المتناهية في الصغر الى الأشجار العملاقة، أشجار السيكويا الكبيرة.
هذا التنوع ليس تنوعا في الأشكال فقط، بل هو تنوع في المهمات وفي الوظائف، وفي التركيب الداخلي، وفي المظاهر الخارجية، انه تنوع يستوعب كل شيء او يشمل كل شيء".(3) فالآية الكريمة واضحة في دلالاتها ومعانيها ومصاديقها الخارجية، فتفرد نزول المطر على ارض واحدة لا يعني نتاج نباتي واحد، بل متعدد، وهذه عملية تكوينية منسجمة مع الفطرة الكونية القائمة على أصالة التعدد والتنوع، قال تعالى: {والنخل والزرع مختلفا أُكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه} سورة الانعام/141، وقال تعالى: {ألم تر ان الله أنزل من السماء ماءاً فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جُدد بيض وحُمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه...} سورة فاطر/27-28(*).
 ان اختلاف الألوان أو اختلاف الأنواع، كما يقول الداعية المصري الشيخ يوسف بن مصطفى القرضاوي: "أمر يقوم عليه الكون كله، اختلاف التنوع هذا لابد ان يوجد"(4)، وقال تعالى: {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون} سورة النحل/13، فالقرآن يذكر المؤمنين دائما بأن من الطبيعي اختلاف البشر: "ليس فقط في ألوانهم وحظوظهم فقرا وغنى وأجناسا وألسنة، بل اكثر من ذلك، حيث يصف تعدد المواقف على اختلافها في النظر الى الكون بما فيه ومَن فيه، بأنه خاضع لحكمة الله ومشيئته"(5)، وفي هذا الشأن فقد: "روى اليماني – ذعلب- عن احمد بن قتيبة عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين عليه السلام وقد ذُكر عنده اختلاف الناس فقال:إنما فرّق بينهم مبادئ طينهم(*) وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ ارض وعذبها، وحزن تُربة وسهلها، فهم على حسب قُرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون. فتام الرُّواء(**) ناقص العقل، ومادُّ القامة قصير الهمّة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السَّبر، ومعروف الضريبة مُنكر الجليبة، وتائه القلب مُتفرِّق اللب، وطليق اللسان حديد الجنان".(6)
تخاطب لا تفاضل
     فسنة الله في كونه ومخلوقاته الأختلاف والتعدد وعدم وجود الواحدية والأحدية الاّ له سبحانه وتعالى، فمن اختلاف الألوان الى اختلاف الألسن واللغات واختلاف الفصول والليل والنهار الى جميع المظاهر الأخرى المحيطة بسمائه وأرضه ومخلوقاته من انسان وحيوان:  "ولو أراد الله ان يكون خلقه هذا على نمط واحد وطراز واحد لما عجز عن ذلك حاشا لله.. لكنه أراد هذا الاختلاف سنة ليستطيع الانسان من خلاله عمارة الأرض كي يكون جديرا بمهمة الاستخلاف المنوطة به"(7)، مع ملاحظة أمر غاية في الأهمية، ان بعض مظاهر التنوع ليس مدعاة للتكبر على جنس البشر، وإذا حصل مثل هذا التفاضل السلبي او التكبر فهو من الانسان وليس من الله، من ذلك اختلاف اللغات، يقول المحاضر والكاتب الاسلامي، السعودي، الشيخ حسن موسى رضي الصفار: "ولا يعكس اختلاف الألسنة وتعدد اللغات حالة تفاضل أو تفوق بين الشعوب، فليست هناك لغة تمنح التقدم للناطقين بها، او لغة تفرض التخلف على أبنائها، وإنما اللغة وعاء وأداة، تتسع وتضيق بحسب مستوى ثقافة المتحدثين بها، يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (83-148هـ) ضمن حديثه المفصل عن توحيد الله تعالى الذي أملاه على تلميذه المفضل بن عمر (ولد في الكوفة نهاية القرن الاول الهجري ومات عن اكثر من ثمانين عاماً): تأمل يا مفضل ما أنعم الله تقدست أسماؤه به على الانسان، من هذا النطق، الذي يعبر به عما في ضميره، وما يخطر بقلبه، وينتجه فكره، وبه يفهم عن غيره ما في نفسه...الى ان يقول (ع): وكذلك الكلام إنما هو شيء يصطلح عليه الناس، فيجري بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة".(8)
فاذا اعتبرنا اللغة على سبيل المثال وسيلة وآلة لنقل المعلومة الى الآخر والتخاطب معه، وليست قيمة بحد ذاتها حتى تكون عرضة للتفاخر والتفاضل السلبي، فان تعلم الانسان للغة أخرى هو محل التفاضل والتمايز الإيجابي، فتعلم اللغة، وليس اصل اللغة، ما يعطي لمتعلمها التمايز العلمي والمؤهل الاجتماعي، ولذلك اذا تقدم اثنان لوظيفة او عمل فيها اللغة عامل أساسي او حتى ثانوي، فان الذي يجيد اكثر من لغة يتوفر على حظوظ اكبر للفوز بالوظيفة الشاغرة او المعلن عنها، فضلا عن ان اللغة الثانية تميزه حتى في مجال الأجر، والوضع الاجتماعي، لكن لا ان تطغيه، لان التعلم هو بحد ذاته نعمة إلهية، وشكر النعم احترامها والتواضع لها وتعليمها للاخرين، كما قال الامام علي بن ابي طالب (ع): "زكاة العلم نشره"(9) لا اتخاذها مطية للتكبر على الناس فاختلاف الألسن لا يعطي ميزة لأمّة على أخرى لان هذا التمايز من بديع خلق الله الذي خلق الناس سواسية، يقول الإمام علي (ع) في بيان حكمة الاختلاف والتنوع في الكون واللغات، وهو يشرح بديع خلق الله للنملة: "ولو ضربتَ في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته، ما دلتك الدلالة إلا على ان فاطر النملة هو فاطر النخلة، لدقيق تفصل كل شيء، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، وكذلك السماء والهواء والرياح والماء، فانظر الى الشمس والقمر والنبات والشجر، والماء والحجر واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال – رؤوس الجبال- وتفرق هذه اللغات، والألسن المختلفات. فالويل لمن جحد المقدور وأنكر المدبر".(10)
ويمكن تقريب المعنى، من خلال النظر الى اللغة التي يتبادل بها الأخرس والأصم مع نظرائه، فليس هناك أبجدية متعارف عليها بين اللغات، مثل العربية والانجليزية والفرنسية، حتى يمكن وضعها في خانة التفاضل والتفاخر، ولكنها لغة الإشارات التي يتخاطبون بها، ذلك ان اللغة في حقيقتها محل للتخاطب لا للتفاضل، ولو كانت محلا للتفاضل لكانت بعض لغات العالم افضل من اللغة العربية التي نزل بها القران، والتي هي لغة التخاطب في الجنة كما يروي السيوطي (849-911هـ)(11) فالأبجدية العربية تضم 28 حرفا، في حين ان بعض اللغات تضم 32 حرفا وبعضها اكثر من ذلك، نعم هناك توصيات عدة من المعصوم بتعلم اللغة العربية لأنها لغة الرسالة الخالدة ولغة القران ولغة الفقه: "قال الامام جعفر بن محمد الصادق (ع): تعلموا العربية فانها كلام الله الذي تكلم به خلقه ونطقوا به الماضين".(12)
 ولكن في الوقت نفسه، لا ينبغي ان تكون العربية مدعاة للتفاخر، وهذه وصية رسول الاسلام محمد بن عبد الله (ص) فقد ورد في خطبته التي أوردها بعد فتح مكة المكرمة في العام 8 هجرية، قوله: "أيها الناس انكم من آدم وآدم من طين، ألا وان خيركم عند الله أتقاكم وأطوعكم له، ألا وان العربية ليست بأب والد، ولكنها لسان ناطق فمن طعن بينكم وعلم انه يبلغه رضوان الله حسبه، ألا وان كل دم مظلمة او أحنة كانت في الجاهلية فهي تظل تحت قدمي الى يوم القيامة".(13)
التعددية من حقائق الابداع
     فالتعددية اذن (بمعنى الاختلاف) في أنواع الخلق، وبين أفراد كل نوع كما يقول العوا: "هي من حقائق الإبداع الرباني المسلمة"(14)، وليقرأ من يشاء قوله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السماء ماءاً فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا، ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا الى ثمره اذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} سورة الأنعام/98-99 (*) فالإختلاف والتعدد بين البشر على حسب كلام الداعية المصري، البنا: "مما أراده الله، ومما يفصل فيه يوم القيامة".(15) وهو امر ثابت لا مفر منه. هذا المعنى يؤكده الباحث الإسلامي والصحافي المصري فهمي هويدي، فرغم: "أننا لا ندعو الى الاختلاف ولا نتمناه، إلا ان أحدا لا يستطيع أن ينكر ان الاختلاف من طبائع الأشياء، وانه واقع بمشيئة الله تعالى"(16) بل ان الكون الفسيح ليعد من أبهى جماله وكماله: "التلون والتشكل بأشكال مختلفة، وألوان مختلفة، وألوان متميزة، فهل من الصحيح أن يقول أحد، بأن من الأفضل توحيد أشكال الفواكه وطعومها وألوانها ومزاياها، وذلك بأن لا تكون فاكهة إطلاقا الاّ التفاح، بل والتفاح أيضا- بما فيه من أشكال وألوان وخصوصيات ومزايا مختلفة- يكون من نوع واحد فقط؟... إن من حكمة الله البالغة ورحمته الواسعة أن {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}(سورة طه:50) فكل محتاج الى الله - بلسان التكوين – أعطاه الله حقه: الماء العذب والمالح، والتراب والذهب، والفاكهة المرة والحلوة والحامضة، وغيرها".(17)
      وأميل الى ما يذهب اليه وزير الاعلام السعودي الأسبق الدكتور يماني من انه: "لابد من التسليم به ان التنوع ظاهرة كونية في آفاق السماء، وفي جنبات الأرض وفي الحضارات المتعاقبة على مر الزمان وفي كل أنحاء المعمورة في البشر والمخلوقات حيّة وجامدة"(18) وما يذهب اليه الصفار من ان: "البشر الذين هم جزء من هذا الكون المتميز بالتنوع والتعدد والاختلاف، فبالرغم من انهم يتساوون في إنسانيتهم العامة، وفي خصائصهم الأولية المشتركة، فانهم في حقيقة الأمر، يتمايزون داخل المحيط البشري بدرجة او أخرى، وهذا التنوع الذي يتحدث عنه القرآن - في آيات كثيرة - إنما هو جزء من ظاهرة كونية تشمل أصناف المخلوقات والكائنات".(19)
     فمن مظاهر التعدد في الكون إبداع الله في النحل وما ينتجه هذا الحيوان الصغير من شراب غني مختلف الألوان، قال تعالى: {وأوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سُبل ربك ذُللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون} سورة النحل:68-69، وإيحاء الباري الى النحل، دلالة على الجانب التكويني والفطري لخلقة النحل والمعمل التكويني الذي أودعه الله في أحشائها، فإذا كان الانسان الماهر يقتطف الورود لصناعة ماء الورد بأنواعه، وهي مهارة لا تتواجد عند كل انسان, فان صناعة العسل مهارة متوفرة عند كل النحل العامل بلا استثناء متوطن عليها فطريا وتكوينيا .
الأديان تقر التعددية
وإذا كنا نبرهن على التعددية من خلال آيات القران الكريم أو أحاديث المعصوم، فان هذين المصدرين الذي يعود إليهما المسلم في شؤون حياته وأخراه، ليسا وحدهما من اشار الى سنة وحتمية التعدد والتنوع والاختلاف في الكون وفي حياة الانسان نفسه، فقد سبقت الأديان الأخرى الاسلام في إقرار التعدد والتنوع، يقول الباحث السوري الدكتور صالح بن عبد الله عضيمة: "ولا يوجد هناك بين الباحثين من لا يقول بأن الأديان التي هبطت من السماء الى الأرض وان الدعوات والمذاهب التي خرجت من الأرض باتجاه السماء لم تعرف التعددية، ولم يكن لها فيها حضور كبير، فهذه الديانة اليهودية ومثلها أختها المسيحية، عندما نقرأ كتابيهما العهد القديم والعهد الجديد، نرى انهما يؤكدان على ان التعددية، هي أوضح سنة من السنن الإلهية، وعندما نقرأ ما جرى في تاريخهما من الوقائع والأحداث، نشاهد أن التعددية هي القانون الذي لعب الدور الأكبر في توجيه مجرى هذا التاريخ وتصويره على هذه الصورة التي هو عليها، وهكذا كان شأن الدين الإسلامي مع قانون الله ومع فطرته. لقد عرف الاسلام قيمة التعددية حق المعرفة، ونزل على أمرها بمعنى وأنزلها على أمره بمعنى آخر".(20) فلا يمكن مضادتها او تجاهلها.
منتهى القول ان تعدد الثمار وتنوعها، والألوان وتنوعها، والأزهار وتنوعها، والكائنات الحية وتنوعها، نجد مصاديقها التشريعية في الكتاب والسنة ونجد مصاديقها التكوينية في أنفسنا وما يحيط بنا، ومما نعلم ومما لا نعلم، مما يبدو للعين المجردة ومما خفي عنها.
المصادر والهوامش:
 (1) راجع: الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن (بيروت، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع) ص119-251. وراجع: العمري، د. نادية شريف، اجتهاد الرسول (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405هـ /1985م) ص 217-316.
(2) انظر: الجوادي، د. علاء "الإسلاميون والديمقراطية في مصر" فصلية المعهد (لندن، معهد الدراسات العربية والإسلامية، السنة 1، العدد2، 1420هـ/2000م) ص147.
(*) صنوان: نخلتان او نخلات يكون اصلها واحدة، او الصنو: المثل، وفي الحديث عم الرجل صنو أبيه، وفي صاده لغتان الكسر والضم. راجع: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب (بيروت، دار صادر، ط1) ج1، ص250.
(3) شمس الدين، محمد مهدي، من مقدمة لكتاب: التعددية والحرية في الاسلام للشيخ حسن الصفار (بيروت، دار المنهل، ط2، 1416هـ/1996م) ص5-6.
(*) الجدُد: طرق الجبال وجاداتها تبدو للعيان على واجهة الجبال كالعروق والخطوط، منها البيض دلالة على كثرة سلوكها من قبل الناس والدواب ودونها الحمر وهي اقل سلوكا، ومنها الغرابيب السود، وواحدتها (غربيب) أي حالكة السواد دلالة على وعورتها وقلة ارتياد الانسان لها. انظر: ابن كثير، اسماعيل القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير (بيروت، دار الفكر، 1401هـ) ج3، ص554.
(4) حليمة، ابو بصير عبد المنعم مصطفى، حكم الاسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية (لندن، المركز الدولي للدراسات الإسلامية، ط2، 1420هـ/2000م) ص220-221. والكلام للدكتور القرضاوي في حديث مع قناة الجزيرة ضمن البرنامج الأسبوعي "الشريعة والحياة" الذي يقدمه الدكتور احمد منصور، ولم يشر الكتاب الى تاريخ إجراء الحلقة الأسبوعية.
(5) هوفمان، د.مراد، الإسلام كبديل (ميونيخ, مؤسسة بافاريا ومجلة النور الكويتية، ط1، 1413هـ/1993م) ص115.
(*) جاء في هامش شرح النهج: جمع طينة يرد عناصر تركيبهم. والفلقة – بكسر الفاء -: القطعة من الشيء. وسبخ الأرض: مالحها. والحزن – بفتح الحاء – الخشن ضد السهل فتقارب الناس حسب تقارب العناصر المؤلفة لبناهم وكذلك تباعدهم بتباعدها.
(**) جاء في هامش شرح النهج: الرواء – بالضم والمد – حسن المنظر. وماد القامة طويلها. والقعر يريد به قعر البدن أي انه قصير الجسم لكنه داهي الفؤاد. والضريبة الطبيعة. والجليبة ما يتصنعه الانسان على خلاف طبعه.
(6) عبده، محمد، شرح نهج البلاغة (بيروت، دار البلاغة، ط4، 1409هـ/1989م) ج2، ص511
(7) الجراح، حيدر "الرأي الآخر .. حصانة يضمنها أهل البيت" مجلة النبأ (بيروت، المستقبل للثقافة والإعلام، السنة 5، العدد 42، 1420هـ/2000م) ص110.
 (8) الصفار، حسن، التنوع والتعايش .. بحث في تأصيل الوحدة الاجتماعية والوطنية (بيروت، دار الساقي، ط1، 1999م) ص30. والحديث عن: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط3، 1983م) ج3، ص82.
(9) الطبرسي، حسين بن محمد تقي النوري، مستدرك وسائل الشيعة (بيروت، مؤسسة آل البيت لاحياء التراث) ج7، ص46.
 (10) عبده، محمد، شرح نهج البلاغة (مصدر سابق) ج2، ص404-405. جاء في هامش الشرح: أي دقة التفصيل في النملة على صغرها والنخلة على طولها على ان الصانع واحد.
(11) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور (بيروت، دار الفكر، 1993م) ج5، ص5.
(12) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة (قم ايران، مؤسسة آل البيت لاحياء التراث) ج5، ص84.
 (13) الطبرسي، حسين بن محمد تقي النوري، مستدرك وسائل الشيعة (مصدر سابق) ج12، ص88.
(14) انظر: العوا، محمد سليم، "التعددية السياسية من منظور اسلامي" من كتاب: مشاركة الإسلاميين في السلطة، للدكتور عزام التميمي (لندن، منظمة ليبرتي - الحرية للعالم الإسلامي- 1994) ص25.
(*) قنوان: جمع قنو، يثنى قنوان كصنو وصنوان بكسر الجيم، ويجمع قنوان، وهو عذق النخلة، والعذق من النخلة كالعنقود من العنب. راجع: القرطبي، محمد بن احمد الانصاري، الجامع لأحكام القران (تفسير القرطبي) تحقيق احمد عبد العليم البردوني (القاهرة، دار الشعب، ط2، 1372هـ) ج7، ص48.
(15) البنا، جمال، حرية الفكر والإعتقاد في الإسلام (القاهرة، دار الفكر الإسلامي) ص7.
(16) الجوادي، د. علاء "الاسلاميون والديمقراطية في مصر" فصلية المعهد (مصدر سابق) ص137.
(17) الشيرازي، محمد، الفقه .. كتاب القانون (بيروت،  ط1، 1417هـ/1997م) ص334 .
(18) اليماني، د. محمد عبده، من تقديم لكتاب: التنوع والتعايش .. بحث في تأصيل الوحدة الاجتماعية والوطنية  للشيخ حسن الصفار (مصدر سابق) ص7.
(19) الصفار، حسن، التنوع والتعايش .. بحث في تأصيل الوحدة الاجتماعية والوطنية (مصدر سابق) ص21.
(20) عضيمة، د. صالح "التعددية بين الرؤية والواقع .. نقد وتصويب" فصلية الجامعة الاسلامية (لندن، الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية, السنة 2، العدد 7،  1416هـ/1995م) ص273.

----------------------
نضير الخزرجي

الجيل الجديد وأزمة البدائل الإسلامية

يثير عنوان المقال ( الجيل الجديد وأزمة البدائل الإسلامية ) مجموعة من الاشكالات ، ذلك أن تحليله إلى سلسلة متوالدة من التساؤلات المتحجبة وراء تقريريته الشاقة عن التسليم بأزمة هي أزمة غياب البديل الإسلامي ، وما يمكن أن ينجم عنها من آثار قد تصيب الجيل الجديد من الأعماق .
ولعل أهم الأسئلة التي أثارها العنوان هي :
أولا : البديل الإسلامي المنشود ، بديل ماذا ؟ ، أهو بديل للإسلام الموجود أم بديل الوافد إلينا من الآخر ؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل المشروع مشروطة بتحديد البديل .
ثانيا : أين مكامن الخطر المحدق بالأجيال الصاعدة ؟ وما الذي يتهددها فعلا وواقعا ؟
أهو سيل المعلومات الجارف والمتدفق إلينا عبر وسائل الاتصال التي أتاحتها ثورتي الاتصالات والمعلومات ، والتي حولت كوكبنا إلى قرية صغيرة تنتقل فيها المعلومات والصور والبضائع والسلع والأفكار والقيم مخيلة إيانا بلا حول ولا قوة إزاءها ؟ أم أن مصدرها الغياب التام للنتاج الاسلامي الذي يمكن أن يرد على تساؤلات الشباب وقلقه وتطلعاته وطموحاته ؟
ثالثا : هل الأزمة المشار إليها خاصة بالجيل الجديد دون سواه من الأجيال ؟ وهل هي ابنة اليوم ووليدة العصر أم أنها متجذرة تطفوا على السطح مع اشتداد المواجهة الحضارية مع الآخر وتخبو بخبوها ؟
أزعم أن المأزق الذي نتنادى اليوم للخروج منه والبحث عن سبل مواجهته ، مأزق جديد قديم ، جديد بمعطياته ، وطروحاته ، متجذر بإشكالياته ووجوده ، وإذا أردنا ألا نخوض بعيدا في البدايات الأولى له ، واقتصرنا على تاريخنا القريب ، أقصد بداية ما سمي بعصر النهضة العربية ، لوجدنا أن الوعي العربي الاسلامي قد تحرك كرد فعل على الزلزال الذي أحدثته المواجهة الحضارية مع الآخر ، أي الغرب ، بعيد الغزو الأوروبي للعالم الاسلامي ، وتحديدا مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت ، عام 1798 ، وقد كان لعامل اللقاء بين الأنا والآخر تداعيات على المستوى الداخلي للأمة ، صبغ بصبغها واقعنا وسجلاتنا الفكرية ولا يزال ، كما كشفنا أننا نرى إلا ذاتنا ولا نسمع غير صوتنا والتي اطلنا النوم على حرير أمجادها ، وكأننا لم نسمع إلى قوله تعالى ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) .
ما تقدم لا يعني بالضرورة أن لكل لقاء بين الأنا والآخر لقاء درامي مأزقي ، بل ما يحدد طبيعته هو دافع الذوات المتقابلة في اللحظة التاريخية المعينة .
لقد شهد التاريخ العديد من المواجهات الحضارية ، ومن المعلوم أن لا حضارة تنشأ وتزدهر بمعزل واستقلال عما سبقها أو يحيطها من الحضارات ، بل تتفاعل وتتلاقح معها ، وتضيف إليها من عندياتها ، مع الحفاظ على التمايز الحضاري لكل شعب ، ويكفي في هذا السياق أن نذكر تفاعل المسلمين الأوائل وانفتاحهم على الحضارات اليونانية والفارسية والهندية آنذاك كانت الذات الاسلامية في أوج نشاطها الروحي والمادي والعقلي ، وتعاطت بوعي وحرية ولا عقد مع الآخر ، بل شكرت له انجازه ، واعترفت له بفضل السبق فيما سبق إليه .
بالانتقال إلى الحاضر ، ما هي الصورة التي يتبدى عليها العالم ؟ وما موقعنا منه وفيه ؟
لقد شهد القرن الأخير ثورات ومنعطفات خطيرة وهامة على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والفكرية والعلمية غيرت معالم كوكبنا تماما ، حتى المفاهيم والمعارف التي طالما ركنا إليها انمحت من معاجم تداولنا ، لا سيما مع ثورتي الاتصالات والمعلومات اللتين شهدتا تناميا متسارعا في العقود الخمسة الأخيرة ، فأزالت الحدود والحواجز بين الجماعات والأفراد والدول ، وغيرت مفاهيم الزمان والمكان والعمل مع ما يستتبع ذلك من انقلاب على القيم والسلوكيات والتعاملات الانسانية الفردية والعامة في شتى الميادين . فأين نحن من كل هذا ؟
من الجلي أن أزمتنا مضاعفة ، وسببها ذلك الفصام بين سلوكنا وتعاليمنا من جهة أفكارنا من جهة أخرى ، نحيا في عصر ونفكر في عقلية عصر آخر . ولا شك أننا ورثة حضارة عريقة أدت للإنسانية وللحضارة الكثير ، إلا أن السؤال الذي يلح هو ما فعلنا بهذا الإرث ؟
ولا شك أننا أيضا مستهلكين لمنتجات الحضارة الراهنة ، ولكن هل لنا موقع قدم على سلمها ؟ هل نحن شركاء فيها ؟
أزعم أن السلبية هي سمة علاقتنا مع الماضي الراهن ، مع التراث والحداثة ، وفي أحسن الأحوال فنحن مستهلكون لمنتجات الحضارة الراهنة والتراث معا ، ومقلدون بامتياز دون الالتفات إلى نفعية أو صلاحية ما نستهلك ونقلد .والحضارات بمكوناتها الروحية والمادية لا تعدو كونها تلك الاضافات والاستجابات التي يبدعها الانسان ويجترحها للرد على المشكلات والتحديات التي تواجهه، وهي تزول وتضمحل عندما تكف عن ذلك .
والفعل الحضاري وتاريخ الحضارات ليس تاريخ أشخاص أو أفراد ، بل هو فعل تشاركي ينهض به المجتمع ككل ، وليس حكرا على فئة أو جنس أو جيل ، فهل يطبق علينا هذا التوصيف ؟
نحن جميعا كمسلمين ، نصبو إلى بديل اسلامي حضاري اسلامي فاعل ينهض بالأمة وبالإنسان عامة ، ولهذا النهوض شروطه الروحية والمادية اللازمة وهو يستحيل دون تحققها وتوفرها ، والبديل الإسلامي يفترض أولا الاشتغال على الذات والتواصل مع الارث تواصلا فاعلا متجددا ، والإرث الأهم هو القرآن الكريم وهو حجر الأساس في بناء عمارتنا الحضارية ومائزنا عن سوانا .
أجمع المسلمون على أن المرجعية الأساس التشريعية والقيمية والعقدية هي القرآن ، وإن القرآن نص مفتوح على فضاء التأويلات والقراءات والاجتهادات الانسانية في كل مكان وزمان باعتباره رسالة للعالمين هدى وتربية وتزكية وتعليما وطريقة ومنهاجا لتحقيق الاستقامة والعدل على المستويين الفردي والاجتماعي ، ومركز قطبها جميعا ، وغايتها التوحيد المتمظهر في العبودية لله رب العالمين .
فهل يمكن الكلام عن البديل الاسلامي دون فهم الرسالة وإدراك مقاصد الشرع ؟
أو دون فهم المرسل إليه وقدراته واستعداداته وكوامن طاقاته وحاجاته وتطلعاته وتساؤلاته ؟
أو دون توفير الشروط اللازمة لتسييل الفكر إلى عمل ؟
وهل يصح طرح البديل الإسلامي دون معرفة بالزمان والمكان ؟
هذا الكم الهائل من الأسئلة والإشكاليات المطروحة تحتاج مقاربتها إلى تضافر الجهود وتشاور العقول وتشاركها ، ويبقى السؤال مفتاح المعرفة ، ومحرض العقل على التفكر وقادح زناده .
ولأن ما هو موجود غير شاف لا شكلا ولا مضمونا لتقادمه وعرفيا ومنهجيا ، نجدنا اليوم بأمس الحاجة إلى تجديد النظر في المرجعيات والأصول المعتبرة وإعادة قراءتها بعين العصر وروحه ومعارفه ومنهجياته وأدواته وفي ضوء مشكلاته وتحدياته ، أستدرك هنا للتأكيد على أن مقالتي هذه ليست دعوة إلى القطيعة مع التراث ونتاج الأسلاف الغني ، بل هي دعوة إلى الإضافة والاستفادة والاستزادة من منجزاته للاشتغال عليه وفيه اشتغالا صاقلا وناقدا ، إنها دعوة لتشييد البنى القوية الاسلامية على بنية تحتية جامعة تستنطق مقاصد الشرع من النص القرآني ليرفع فوقها الصرح المعرفي الاسلامي من كلام وفقه وتفسير وسواها من العلوم الاسلامية ، إنها دعوة لمقاربة مقاصد الشريعة وأهداف الدين والتي أرادها المولى عز وجل من وراء ارسال الرسل والرسالات ، والتي جعلت الأحكام طرقا وسبلا .
أقول هذا لأن الآية انقلبت فالواقع الاجتهادي مثلا يتحرك وكأن الأحكام مقصودة لذاتها لا لغرض ورائها ، ومعلوم ما من حكم إلا وتقبع خلفه حكمة ، وكل فعل إنما يكون لغرض وكذلك كل أمر ونهي ، وأجرؤ على القول إن كثيرا من الأحكام الجزئية والتشريعات الاجتهادية وقد تناست المقاصد أتت متناقضة مع الغاية والهدف المفترض لها .
وبمعنى آخر سقط الجوهر عن طريق التمسك بالجزئي والقشري ، فتحول السجود مثلا إلى استقرار الأعضاء وهو تجلي التوحيد في العبودية الحرة لرب العالمين في لأرقى أشكاله . وتحول الزواج إلى عقد يتملك الرجل فيه بضع المرأة وقد جعل المولى غايته السكن المشروط بالمودة والرحمة ، ومعلوم ما للروتين من آثار ومترتبات متباينة أشد التباين .
والمثال الآخر هو علم الكلام والذي عرف تقليديا بأنه علم الدفاع عن العقيدة ، فلا زلنا نتداوله ونلقنه بحرفية ما ورثناه من القرن الرابع للهجرة ، ومعلوم أن اشكالياته متساؤلاته وردوده ومنهجياته إنما هي استجابة لتحديات ذلك الزمان وبأدواته ، أما نحن فبحاجة للرد على إشكالياته ومتساؤلاته اليوم حول الدين وبمنهجيات العصر ولغته التي يفهمها أبناؤنا ، وتعليق الاشتغال على هذا الأمر والاستهانة به لا بد وأن يدفع الجيل الجديد للبحث عن إجابات أسئلته في أماكن أخرى .
إذن أولى الواجبات الملحة بل وحق الدين علينا تجديده وبعث الروح فيه ، وذلك من خلال إعادة قراءته قراءة معاصرة تلب حاجاتنا وترد على أسئلتنا نحن ، وتستجيب التحديات التي نواجهها .
أما بالنسبة لعلاقتنا بالآخر ومنظومته الحضارية وهي لا شك حضارة تجتاح العالم ولها فعاليتها ، وتعمل جاهدة لتكريس ذاتها نموذجا أوحدا ، فلا نستطيع اليوم غض الطرف عنها وتجاهلها أو إيصاد الأبواب ونصب العوازل والسواتر دونها ، لاستحالة الأمر من جهة لا سيما في زمن الانترنت والفضائيات ، ولأن نفس الفعل الحضاري لمجتمع ما لا يكون إلا بالتواصل والتفاعل المبدع والخلاق الذي يتلاقح وينقد وينقض ، يتمثل ، ويهضم ويبيىء ما يصله من الآخر فيطبعه بطابعه ويضيف إليه ويشذب ما يحتاج إلى تشذيب ويهمل ما يتنافى أو يتناقض مع بنيته الحضارية والقيمية العقدية ، إنه تواصل الفعل لا الانفعال ، والاتباع والتقليد والاستلاب .
ما سلف يظهر أن المهمة التي ينبغي التصدي لها مهمة صعبة وشائكة لأن المشكلة التي تقابل مركبة ، نريد المشاركة في الحضارة العالمية مع الحفاظ على هويتنا ، وتمايزنا الحضاري ، بل نريد تقديم نموذج حضاري مختلف يصحح المسار ونحن خارج الفعالية الحضارية ، وبمعنى آخر علينا أن نجد أنفسنا كمسلمين وأصحاب حضارة موقعا ودورا فاعلا في عصر تجري فيه الأمور بسرعة الضوء ، وهو يستلزم بالضرورة الاستفادة من المنجزات الحضارية الراهنة ، وباعتبارها انجازا انسانيا عاما والتأسيس لرؤية اسلامية متجددة ومعاصرة ، تشكل القاعدة المعيار للنتاج الموجود أو البديل المنشود ولهذه العملية شروطها ، وهي شروط قيام ونهوض لا بد من تواصلها لأي مجتمع يبغي الخروج من ركوده إلى أفق الابداع والانجاز وأهم هذه الشروط على الاطلاق :-
1- إعادة الاعتبار للعقل : فالعقل هو الفصل المقوم للإنسان ومائزه عن غيره من الموجودات ، به كرم وبه يثاب ويعاقب ، ويعمر الأرض ويستخلف فيها من هنا ذاك الحث المتكرر في القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية على التعقل والتدبر والتفكر والتأمل والنظر والاعتبار تارة تفضيلا وطورا جمالا يستغرق الوجود كله ، والذي عبر عنه بأعمق ما يكون وأوجزه الآفاق والأنفس . إن ذلك التكثيف في الحض على التعقل بمفرداته المتنوعة يرفعه إلى درجة الفريضة وهي من أسف فريضة غائبة أو مغيبة ويكرس غيابها في اعتقادي ركوننا إلى فلسفة الواجب وتغليبها على فلسفة الحق ، إضافة إلى مجموعة سلطات كفت عقولنا عن النظر وأيدينا عن العمل وآليات الحجب والمنع والاقصاء والاستبعاد للمقاربات التجديدية النقدية ، ونتيجتها اللازمة التعطيل لكل فاعلة وابداع وتطوير ، ولكن هل للعقل أن يشتغل في الأسر وبعيدا عن فضاء الحرية ؟
2- ضمان الحرية : أو الاشارة إلى أن الحرية حق وليست معطى ناجزا بل تنجز وتتحقق من خلال عملية الكدح الفردي والجماعي ، والحرية مقصد من مقاصد الشرع ، قال تعالى ( يضع عنهم اصرهم والأغلال ... ) والضمير في يضع راجع إلى الرسول (ص) فيما يحمله من رسالة .
ومما لا شك فيه أن هناك العديد من السلطات التي تعارض وتنافي تنجز التحرر ، منها البيولوجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي ، فهي جميعا تعمل على قهر الانسان واستعباده إلا أن هذه السلطات لا صفة جبرية لها مع وجود الارادة والقدرة على الاختيار اللذين حيي بهما الانسان والقدرة على الاختيار تفترض التعدد والأختلاف وهما مظهران للثراء والغنى إذا ما عرفنا كيف ندير الاختلاف دون تحويله إلى خلاف واصطراع .
وبمعنى آخر الحرية لا تعني فقط حقنا في القول والاعتقاد والتعبير والعمل ، بل الاعتراف بحق الآخر المختلف والمغاير في كل ذلك أيضا والقبول به .والحرية ثقافة وهي الأرضية الخصبة للإبداع والفضاء الرحب للإجتهاد والابتكار وضمان فاعلية العقل ومفجرة الطاقات والاستعدادات والكوامن الانسانية ، أي أنها ما لم تتحول إلى جزء من شخصيتنا الفردية والجماعية وظلت مقولات تلوكها الألسن دون تسييلها على أرض الواقع والممارسة ، فلا يمكن اطلاق تسمية الحرية عليها ، ةلأعطت خلاف نتائج الحرية بل هي أخطر من الكبت والقمع السافرين .
ما تقدم اقرار بأن العقل والحرية شرطان ضروريان للنهوض الحضاري ولكن هل هما كافيان ؟
إن مآلات الحضارة الراهنة لشاهدة على ضرورتهما ، بل هي في ظل غياب الشرط الثالث شهيدتهما ، ويكفي في الدلالة على صوابية ما نذهب إليه أن منجزات الحضارة الفذة أدت للانسانية خدمات جليلة ، تحمل بذور فنائها وزوالها دون أن تتيح الفرصة لقيام حضارة بديلة ، إذ أن تهديدها يطال الكوكب برمته وما عليه ، صحيح أن منجزات الحضارة التكنولوجية والمعلوماتية والجينية ، على سبيل المثال ، وفرت للبشرية مزيدا من الراحة والرفاهية وقربت لمسافات والحدود ورفعت الحواجز بين الناس وقضت على العديد من الأمراض وهي تعد بالمزيد ، إلا أنه من ناحية أخرى أخلت بالتوازن البيئي للكوكب ، وتهدد بدماره بما أنتجته من أسلحة دمار نووي وكيماوي وجرثومي ، وبدا ان تعم خيرات الثروة والعلم والطبابة والرفاه في العالم فإنه يزداد انقساما وتتسع الهوة بين عالمين ، عالم يمتلك كل شيء يمثل 2% من مجموع سكان العالم وعالم متسلب ومجرد من كل شيء يمثل 98% من سكان العالم ، وبدل أن يكون هدف الانسان التقدم والتطور التقني والعلمي أصبح في خدمته ، فاستلبت انسانيته وتحول مجرد مستهلك وقلق لا فاعل .
إن تدارك هذا الخطر الداهم على الحضارة والانسان غير ممكن دون الشرط الثالث وأعني به الأخلاق ، ومما لا شك فيه أن الأخلاق بما هي قيم انسانية عامة مقصد أساسي من مقاصد الشرع كما جاء في الحديث ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فالأخلاق هي البوصلة التيي تتيح إعادة توجيه المركبة التي تقلنا جميعا وجهتها الصحيحة ، وليست المشكلة في منجزات الحضارة أو العلم ، أو الابداع الانساني ، بل في سوء استخدام هذه المنجزات من قبل الانسان ، وفي استغلاله الوحشي للطبيعة والتعدي على قوانينها ، وعدم احترام الآخر وحقوقه ، ومادية الربح السريع وتحقيق المكاسب الآنية ، الشخصية والفئوية على حساب البشرية جمعاء ، إنه الجشع والطمع البشريين أنه طغيان وتغول الأنا والخروج على الوسطية والاعتدال السوية في التعاطي مع الذات ومع الآخر .
----------------------------------
د. زينب إبراهيم شوربا
رئيسة تحرير مجلة " المنطلق الجديد " اللبنانية